جليلة

بقلم عفاف مصطفى مشعل

 أول لقاء

جليلة، اسم له رنينه الخاص، به موسيقى لا تسمعها مع اسم آخر، جليلة ، اسم لايسمعه أحد من عشاق فنان الشعب إلا ويترك العنان لخياله، فجليلة سيد درويش، محاطة بالغيوم والأسرار، تساؤلات كثيرة تغلفها بالغموض، حبيبته هي، ملهمته، من هي، هل هي سليلة العائلات، أم بائعة الهوى، ضحية لطموح سيد درويش، أحبته، وأحبها، الهمته، وأبدع أحلى ما لحن .. لها، ثم شده طموح الفنان إلى المجهول، فترك كل شىء، ليشق طريقه، مدفوعا بإحساس غريب بأن العمر مهما طال به، قصير.

جليلة ملهمة سيد درويش (خفيف الروح)

وكانت جليلة، امرأة، أنثى، تتمتع بجمال وأنوثة تلفت إليها الأنظار، وكانت تكبر سيد درويش ، ولها خبرة في التعامل مع الغزل والغرام، ولنعد إلى أول لقاء لهما، وكيف أثاره لقائهما فارتجل أولى أغنياته لها، هل كان اشتياقه للحب هو الذي دفع به إلى هذه التلقائية في اختيار الكلمات وصياغة اللحن، أم أن موهبة الملحن داخله وإبداعه طغى على كل شىء، فخرج لحن من أحلى الحان سيد درويش.

 كانت إحدى حفلات الزفاف، وكانت العادات تقضي بأن ينفصل الرجال عن النساء، فلكل مجلسه، للرجال مجلسهم، وللنساء مجلسهن، وكان الشيخ سيد درويش يقوم بإحياء الحفل، وفي نهاية غناء أحدى المقطوعات سمع ضحكة مجلجلة، فبحث بنظراته عن صاحبتها من خلال الفتحات المطلة عليهم، والتقت نظراتهما في أول لقاء بالعيون، واشتعلت في قلبه أول شرارة للحب، فما كان منه إلا أن أمسك برفيق مشاعره، العود، وارتجل طقطوقة "خفيف الروح أما الكلمات، فتفجرت منه معبرة عما جاش بصدره وقلبه، عند رؤيتها، وأما اللحن، فهو التدفق الرباني العبقري الذي اتسم به سيد درويش في التلحين، انبثق اللحن داخله كما تنبثق المياه من العيون، شلالا متدفقا، لايسعنا عند سماعه إلا أن نتمايل طربا معه.ولنقف لنتذكر اللحن والكلمات، "خفيف الروح".

 

"تهموني في حبك"

وكانت جليلة سيد درويش، أو جليلة "وابور الميه" كما كانت شهرتها، من عائلة غنية، إلا أن ظروفا لم تتضح معالمها جعلتها تتحرر من قيود الحريم وتشبهت في تصرفاتها بالأجنبيات، وبسبب تصرفاتها نالت شهرتها في الإسكندرية، وفي بداية تعارف الشيخ سيد بجليلة، بدأ أصدقاؤه يتغامزون بحبه لها، مما دعا به إلى الميل أكثر لها، وانشغاله بها، فكان لكل موقف له معها، أغنية، تعبر عما يجيش بنفسه، فهل كانت ملهمته بالفعل، أم أن الفنان داخله كان يتمسك بأقل سبب وأصغر حجة ليبدع.. وكانت أغنية " تهموني في حبك تهموني"وكلماتها تقول:

تهموني في حبك تهموني                الله يجازيهم ظلموني

خلوني احقق وانظر لك         وافكر فيك دايما واميل لك

يافؤادي من وجدي مشغول بك  الله يجازيهم ظلموني

دا غرامك لم كان على بالي     وخلافك مابقاش يحلالي

مايصحش تهجر ياغزالي       وتخلي العزال يلوموني

حبيتك والحب ماكان لي         على فكره ولا كان يخطر لي

والكاين لابد يكون لي           والمكتوب تراه عيوني

دور " يافؤادي ليه بتعشق"

وبدأت جليلة بخبرتها في التعامل في استثارة حواس وعواطف سيد درويش، فبدأت تتصادم داخله المشاعر بين احتدام وهدوء، صراع بين البعد والقرب، بين الوصال والفراق، فكان أن عبر الفنان داخله عن هذا التناقض في أول دور يلحنه وهو دور "يافؤادي ليه بتعشق"، وفيه يتجلى صراع الفنان والمحب بين قلبه وعقله، بين التمني والاستعطاف من خلال الكلمات، وتجلى إبداع سيد درويش في اختيار الجمل اللحنية التي تعبر عن الفاظ الكلمات، وتعبر عن شوقه لوصال محبوبته، حتى أثناء تسجيل هذا الدور، أضاف كلمتين ليجسد مايشعر به تجاهها وهما كلمتي " قول لي .. امتى.. أنا أفرح.." ويكررها في شوق في انتظار الوصال وينفعل في الغناء مدفوعا بحبه لها متسائلا " قول لي  قول لي امتى  أنا أفرح      أفرح امتى

          فول لي    امتى        قولي امتى انا افرح    افرح امتى

          قول لي    امتى        بالوصال       ياسيدي

          قول لي    امتى        بالوصال       ياروحي

          قول لي    امتى        بالوصال      انا.. انا.. انا..انا..انا..

            افرح امتى ."

وعلى الرغم من تكرار الألفاظ إلا أنها تختلف باختلاف الأداء واللحن ثم ينتهي الدور باعتراف سيد درويش بشوقه إلى محبوبته في انتظار الوصال .. في نهاية الدور.

 

دور " أنا عشقت"

وتطورت العلاقة بين سيد درويش وجليلة من وصال وهجر وبغددة مما دعا سيد درويش إلى تصوير هذا في العديد من الأدوار مثل دور " أنا عشقت وشفت كتير غيري عشق، عمري ماشفت المر إلا في هواك"

ويسترسل سيد درويش في التعبير عن الشجن في هذا الدور، والتهديد بالبعاد .

 دور "ياللي قوامك يعجبني"

وقد سبق هذا الدور، دور وصف فيه سيد درويش قوام جليلة، نظما ولحنيا حيث كانت تتميز بالطول الفارع ووضح هذا في لحن " ياللي قوامك يعجبني" ، فعندما قام بتلحين كلمة "قوامك" استرسل في التعبير التصاعدي ليصور امتشاق القوام وطوله.

 دور "الحبيب للهجر مال"

ثم أبدع سيد درويش في فترة من فترات الخصام في دور " الحبيب للهجر مال  والفؤاد ميال له"

 دور "عشقت حسنك"

وتطرق إلى وصف حسن وجمال جليلة في دور من أجمل الأدوار على الإطلاق وهو دور 

" عشقت حسنك وأنت ليه حرقت قلبي بنار الجوى"

 مونولوج "والله تستاهل ياقلبي "

وهناك " والله تستاهل ياقلبي"، وهو من قالب المنولوج وهو من أول المنولوجات في الموسيقى الشرقية ويتميز بعدم إعادة غناء أي شطر فيه للحفاظ على تكوينه الموسيقي، وفيه من الشجن والدعوة لعودة المغترب الكثير مما نشعر به ونعاني منه حتى الآن.

 "ياناس أنا مت في حبي"

وفي إحدى مرات سفره إلى القاهرة في فترة عام 1917، سافر سيد درويش للغناء بين الفصول في مسرح الشيخ سلامة حجازي، وخرج سيد درويش لأداء الحانه بين الفصول وكان الاستقبال سيئا جدا من قبل جمهور الشيخ سلامة الذي كان يتميز بصوت له قوة وجمال حتى أن جمهوره كان كثيرا مايطلب منه الخروج عن النص الذي يؤديه ليغني لهم بعض الألحان الأخرى وكان يستجيب لهم. وكان لأداء سيد درويش لألحانه شكل تعبيري لم يتعود عليه جمهور الشيخ سلامة حجازي، فكان الاستقبال سيئا إلى درجة خرج فيها الشيخ سلامة ليعنف الجمهور قائلا لهم أن الشيخ سيد هو خليفته.

وجاءت جليلة في تلك الأيام إلى القاهرة تبحث عن الشيخ سيد درويش، فأبلغه أحد أصدقائه بأنها تسأل عنه، فرد عليه قائلا: لو قابلتها مرة ثانية، قولها سيد درويش مات.

وكانت فترة من فترات البحث عن الذات، وبالصدفة تقابلت جليلة مع الشيخ سيد، فأبلغته بأن أحد أصدقائه أبلغها أنه مات، فكان لحن " ياناس أنا مت في حبي.. وجم الملايكة يحاسبوني. حدش كده قال؟"

 دور" ضيعت مستقبل حياتي"

ثم كان دور " ضيعت مستقبل حياتي" وهو من أشد الأدوار التي عبرت عما جاش بصدر سيد درويش من تناقض في حبه، فكان حبه لجليلة يشده إليها، ورغبته في الانطلاق في سماء الفن تبعده عنها، وشعر أن الوقت قد ضاع هباء ولعله كان يشعر أن سنوات عمره قصيرة لاتكاد تكفي إبداعه الذي بدأ يتدفق في كل يوم وكل ساعة، فكان " ضيعت مستقبل حياتي".

 

 دور"يوم تركت الحب كان لي"

ثم كان دور من أصعب ما لحن سيد درويش على نفسه العاشقة، الولعة، العنيدة، فقرر أن يبتعد عن جليلة، ولحن دور " يوم تركت الحب كان لي" ، ولم يستطع سيد درويش أن يسجل هذا الدور بنفسه، كانت الكلمات تؤلمه وكأنها خناجر تطعن قلبه مع كل حرف ينشده، وقام نجله المرحوم محمد البحر، بتسجيله بصوته،  وكانت جليلة حتى آخر أيامها تتذكر هذا الدور. وكلماته:

يوم تركت الحب كان لي                في مجال الأنس جانب 

ورأيت المجد عاد لي                   بعد ماكان عني غايب

مين يصدق بعد ميلي                    إني اقول الهجر واجب

مين حبيبه صار عذوله                 غيري لما تبت عنه

يا أحبه استعجبوا له                     هو قاضي العشق عمه

مهما طال الود قولوا له                 البعاد لابد منه

 ورغم حب سيد درويش لها إلا أنه كان أيضا من القسوة بحيث لم تنج جليلة من انتقامه عندما شك في إحدى المرات بعلاقتها بأحد الجواهرجية في الصاغة ودون أن يستوضحها الأمر، قام بتلحين قطعة يشرح فيها كيفية الدخول إلى منطقة الصاغة والسبيل إلى الوصول إلى كل صائغ على حدة حتى انتهى بمن شك فيه وأنشد أنه عندما تصل إليه سوف تجد "جليلة أم ركب"، وانتشر اللحن بين يوم وليلة في كل أنحاء مصر ، وجاءته جليلة باكية تشكوه إلى نفسه وتوضح له سوء ظنه فيها.وكثيرا ما كان الأصدقاء يتدخلون لتهدئة نفسه تجاهها.

سيد درويش الفنان المبدع كان أكثر مصدر يهدىء من روحه ونفسه هو الاستماع إلى صوت الكروان، صوت إلهي، رباني، يشق الصمت شاكيا، إلى ربه، يناجيه في نغمة واحدة متكررة.

 سيد درويش، ألحان متعددة، وقلب لم يتحملها ، فانسحب.