ذكريات بعض الأصدقاء المقربين لسيد درويش والذين لازموه في حياته الفنية والخاصة، منهم الأستاذين أحمد حسن وحسن القصبجي

يقول أحمد حسن، أول دور له كان يافؤادي ليه بتعشق، وكان هذا في أول عهد حبه لجليلة، واحبته جليلة ولكنها كانت بين الحين والآخر تلهب غرامه وقلقه بإيجاد عزول لسيد درويش رجلا صائغا اسمه محمد عباس أهدى لجليلة خلخالا ثقيل الوزن فما كان من سيد درويش إلا أن ألف ولحن وغنى هذه الطقطوقة ليثأر لنفسه من جليلة:

في الصاغة الصغيرة            شوف سوق العجايب والعجب

على الشمال أول دكان      صاحبه جدع اسمه القبطان 

عنده حلق خفة وكردان    وآدي الحقيقة بتنكتب

ثاني دكان سيبك منه            والثالث اللي بقول عنه

تاجر شهير ولافيش منه         ولكل شىء دايما سبب

 رابع دكان سلم لي عليه         دنا قلبي مايملش إلا إليه

والخامس إللي أقبل إيديه        يساوي طب كيل ذهب

أما بقى ساتت دكان    استنى عنده يابو القمصان

تلقى اللي فيه قاضي النسوان    عمر اللي زيه مايتعتب

 بيقولوا مرة عمل خلخال  ينفع ركاب لثلاثة بغال 

سألت مين لبسته ياعيال    قالوا جليلة ام ركب

ماعرفش إن كان دا معلم   وألا دا للعشاق سلم

صبرك عليه بكره يضلم   وتشوفوا فيه كل العجب

وذاعت الأغنية وانتشرت في كل الإسكندرية حتى جاءته جليلة باكية مستغفرة..

أما حسن القصبجي، وهو صديق سيد درويش والذي أرسل له سيد درويش رسالته في 8 يوليو 1922 يبلغه فيها أنه قاطع كل شىء نظرا لحادثة وقعت أمامه في الخازندار، فقد قال حسن القصبجي : إنني أجزم جزما قاطعا أن جميع أدواره التي ألفها ولحنها ليس لها علاقة مطلقا بالآنسة حياة صبري، وإنما هي ترجع إلى استعداده الفطري منذ نشأته ، ومن جهة أخرى لهيامه بسيدة من الإسكندرية عرفها وهو شاب فشغفته حبا حتى الممات

أما محمد على حواش والذي قال: تعرفت إلى سيد درويش حوالي 1912، سافرت معه في رحلة إلى الشام مع فرقة سليم عطاالله ، ولازمته بعد ذلك حتى وفاته. ولما عاد من الشام بدأ يغني في مقاهي الكورنيش، كما كان يدرس الموسيقى للهواة في نادي الموسيقى الشرقية.

 وحضر الشيخ سلامة حجازي إلى الإسكندرية واستمع إليه في مقهى " كيراكو" وكان يغني توشيحا اندلسيا من تلحينه  مطلعه " منيتي عز اصطباري" فأعجب به الشيخ سلامة وقرر أن يصحبه إلى القاهرة حيث لحن رواية "فيروز شاه" لفرقة جورج أبيض، وذات يوم حضر نجيب الريحاني وبديع خيري واستمعا إلى الحان الرواية فأعجبا بها وقررا أن يتعاقدا مع سيد درويش وبحثا عنه كثيرا فلم يعثرا عليه، فناداني نجيب الريحاني ووعدني بمبلغ كبير إذا أن أحضرته إليه وكنا اعلم أنه في جلسة خاصة مع بعض أصدقائه، وكنت اعلم أنه سيرفض الخروج معي لمقابلة الريحاني، فدخلت عليه متصنعا الاضطراب وأخبرته أن أعز صديقاته قد حضرت من الإسكندرية، وأنها تشاجرت في مسرح الريحاني، فقام مسرعا إلى هناك حيث وجد الريحاني في انتظاره ولم يتركه إلا بعد أن وقع معه عقدا بمرتب محترم.

إلى أعلى الصفحة  

كان رحمه الله يقدر المسؤولية إلى أبعد حد، حتى أنه كان يجبس نفسه أسابيع بأكملها لينتهي من تلحين الرواية في موعدها المحدد، وكان يحلو له التلحين في إحدى الحدائق النائية حيث كان يجتمع مع بعض أصدقائه الفنانين، ويظل معهم في فكاهة ومرح ثم إذا به يتركنا فجأة وينتحي مكانا بعيدا ويخرج من جيبه كلمات الأغنية ويبدأ في تفهمها وتلحينها دون أن يسمع له صوتا، وفجأة يعود إلينا ليسمعنا لحنه الجديد، وكثيرا ما كان يمضي الليل بأكمله على هذه الحال. وكانت أحرج الأوقات بالنسبة إليه هي تلك التي يحفظ فيها ألحانه للمطربين وأعضاء الفرقة، وكثيرا ما كان يفقد أعصابه ويثور بل ويسقط مغشيا عليه إذا تكرر خطأ المطرب في أداء اللحن.

كما يقول  شاعر الشباب  أحمد رامي عن الشيخ سيد درويش، أنه رحمه الله، لم يكن موسيقيا عبقريا فحسب، بل كان كذلك أديبا شاعرا ألف كثير من   الأدوار في غانية من غواني الإسكندرية أحبها حب العبادة وظل وفيا لها حتى مات، وقال فيها معظم الأدوار الغرامية التي ألفها وكان يقول أنها وحيه وإلهامه ومن نظمه في حبها:

  يوم تركت الحب كان لي                في مجال الأنس جانب

 وهذه الحقيقة أكدها الأستاذ  محمود بيرم التونسي في قوله عن سيد درويش: ألف أول أدواره للفت نظر الفنانين فكانوا يدعونه لحفلاتهم الخاصة وكان موضع احترامهم وتقديرهم ، ولكنهم كانوا قلة لاتشبع نهمه للشهرة والذيوع.

إلى أعلى الصفحة