قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي

الشعاع النابغ

كل يوم مهرجان كللوا   فيه ميتا برياحين الثناء

لم يعلم قومه حرفا ولم   يضىء  الأرض بنور الكهرباء

جومل الأحياء فيه وقضى       شهوات أهله والأصدقاء

ماأحفل الناس، حتى الموت لم   يخل  من زور لهم أو من رياء

إنما يبكي شعاع نابغ    كلما مر به الدهر أضاء

ملأ الأفواه والأسماع في         ضجة المحيا وفي صمت الفناء

حائط الفن وباني ركنه          (معبد)الألحان (اسحاق)الغناء

من إناس كالدراري جدد         في سماوات الليالي قدماء

غرس الناس قديما وبنوا                لم يدم غرس ولم يخلد بناء

غير غرس نابغ أو حجر                عبقري فيهما سر البقاء

من يد موهوبة ملهمة    تغرس الإحسان أو تبني القلاء

بلبل إسكندري أيكه             ليس في الأرض ولكن في السماء

هبط الشاطىء من رابية         ذات ظل ورياحين وماء

يحمل الفن نهيرا صافيا         غدق النبع إلى جيل ظماء

حل في واد على فسحته         عزت الطير إلى الحداء

يملأ الأسحار تغريدا إذا         حدف الطير إلى الأيك العشاء

ربما استلهم ظلماء الدجى       واتى الكوكب فاستوحى الضياء

ورمى اذنيه في ناحية           يخلس الأصوات خلس الببغاء

فتلقى فيهما ماراعه              من خفى الهمس أو جهر النداء

أيها الدرويش قم بث الجوى     واشرح الحب وناج الشهداء

اضرب العود تعه أوتاره                بالذي تهوى وتنطق ماتشاء

حرك الناي ونح في غابه       وتنفس في الثقوب الصعداء

واسكب العبرة في آماقه         من تباريح ،وشجو، وعزاء

واسم بالأرواح وارفعها إلى     عالم اللطف ، وأقطار الصفاء

لاترق دمعا على الفن فلن       يقدم الفن الرعاة الأمناء

هو طير الله في ربوته          يبعث الماء إليه والغذاء

روح الله على الدنيا به          فهي مثل الدار، والفن الغناء

تكتس منه ومن آذاره           نفحة الطيب وإشراق البهاء

وإذا ما حرمت وفنه             فشت القسوة فيها والجفاء

وإذا ماسئمت أو سقمت          طاف كالشمس عليها والهواء

وإذا الفن على الملك مشى       ظهر الحسن عليه والرواء

قد كسا الكرنك مصرا ماكسا     من سنا أبلى الليالي وسناء

يرسل الله به الرسل على               فترات من ظهور وخفاء

كلما أدى رسول ومضى         جاء من يوفي الرسالات الأداء
إلى أعلى الصفحة