سليمان جميل

مقتطفات من مقالة طويلة حاولنا قدر الإمكان اختصارها

دون أن يؤثر هذا على سياق المضمون

 ضمير الشعب في موسيقى سيد درويش

إننا نهتم بمعرفة الخصائص الموسيقية في ألحان سيد درويش.. لأنها في واقع الأمر هي خصائص الشخصية الموسيقية العربية.. وأهمية سيد درويش كفنان تتمثل في كونه الموسيقار الأول في تاريخنا الحديث الذي أبدع من خصائص الموسيقى الشعبية فناً قومياً. ولعل ذلك هو السبب الذي دفع المندوب السامي البريطاني إلى إصدار أوامره بإغلاق مسرح سيد درويش الغنائي.. ولكي أوضح ذلك فإن ألحان سيد درويش الوطنية لم تكن مجرد إثارة للروح الوطنية للدفاع عن استقلال مصر إنما هي في الواقع إثارة بعيدة المدى لتجسيد العاطفة القومية في ضمير الشعب العربي الكبير..

وأهم ما نبدأ به الحديث عن موسيقى سيد درويش بحثاً عن خصائص موسيقاه هو.. عنصر الإيقاع وعنصر المقامات النغمية.. ثم أسلوبه في التلحين.

إن سيد درويش عبر موسيقيا بالإيقاعات الشعبية التي تأثر بها من مشاركته الفعلية حياة الناس العادية.. لذلك تنوعت لهجات الناس الكلامية في ألحانه ونبعت من هذه اللهجات أشكال جديدة متنوعة لعنصر الإيقاع. وتبعاً لذلك انتقل التعبير الموسيقي العربي من مرحلة الشكل الإيقاعي الواحد المتكرر في الأغنية قبل سيد درويش إلى الأشكال الإيقاعية المتنوعة والمتدفقة حيوية في أدوار سيد درويش الغنائية والمسرحية.  أما العنصر الموسيقي الثاني وهو المقامات العربية فهو المادة النغمية الجمالية المحلية التي عبر بها سيد درويش عن تجاربه ومجموع ثقافاته.. من هذه المادة النغمية أبدع سيد درويش قواعد جديدة في الأداء اللحني.. ونفهم ذلك من تكوين الجملة الموسيقية في ألحانه.. هذه الجملة أصبحت تتميز بالمسافات الصوتية الواسعة كما أصبح يتحتم على المغني أن يتدرب على أدائها باعتبارها قاعدة جديدة في الأداء الغنائي..

إلى أعلى الصفحة  

ونظرة فاحصة إلى الأغنية قبل سيد درويش نفهم منها أن عباراتها الموسيقية القصيرة كانت تتكون من تتابع الدرجات النغمية المتقاربة وتغير مساحات للأبعاد الصوتية في تكوين الجملة الموسيقية في ألحان سيد درويش راجع إلى تغير القوى الخلاقة في أعماق الفنان الرائد.. ويمكن أن نُعرف هذه القوى الخلاقة بأنها القواعد الجديدة أي مجموع المهارات التي يحقق بها سيد درويش أسلوبه في التلحين أو كما يطلق عليها الأوربيون "تكنيك سيد درويش" عند هذه النقطة يمكنني أن أقول بأن أسلوب أو تكنيك سيد درويش في الحوار الغنائي هو بذرة التعبير الدرامي الأولي في الموسيقى العربية الغنائية.. وأقول بذرة التعبير الدرامي على وجه التحديد لأن التعبير الدرامي في الإبداع الموسيقي لا يمكن أن يقوم فقط على أساس التكوين الميلودي أي اللحني مهما تلون هذا التكوين بألوان المقامات النغمية وتنوع بتنويع الأشكال الإيقاعية الجزئية.. إنما لابد لكي يكتمل التأثير الدرامي في الإبداع الموسيقى - ونحن نتكلم الآن عن عناصر هذا التأثير دون أسلوب الكتابة لهذه العناصر - لابد من توفر عنصر الهارموني وهو العنصر الذي يواصل به المؤلف الموسيقي التأثير بمختلف الضغوط الإيقاعية ثم يعمق به أبعاد التكوين الميلودي وتأكيد خصائص هذا التكوين بإعطاء الجمل الموسيقية الرئيسية والعبارات أو الجمل الثانوية أجزاء هذا التكوين لتقوم بأدائها مختلف آلات الاوركسترا الحديث..

ورغم أن سيد درويش لم يكتب التآلفات الهارمونية لألحان الميلودية**...إلا أن ألحانه ستبقى خالدة كقمة في التعبير الميلودي ذلك لعمق إحساسه بضرورة تلوين ألحانه الميلودية بألوانها المقامية المناسبة., وتنويع أشكالها الإيقاعية بما يلائم حركة هذه الألحان الداخلية فوق خشبة المسرح وبما يجعلها أيضاً تلائم التعبير الدرامي الذي يحدد مكان المقطع اللحني الواحد من البناء الدرامي للمسرحية المكتوبة.. وهذا ما سبق أن قلت عنه بأنه بذرة التعبير الدرامي التي وضعها سيد درويش رائد الموسيقى المسرحية في بلادنا.

إلى أعلى الصفحة  

أدوار سيد درويش الغنائية

والحقيقة أن سيد درويش لم يبدأ التلحين للمسرح إلا بعد أن اكتسب الخبرة في تلحين الأدوار الغنائية فإن هذه الأدوار الغنائية هي التي ظهرت في جملها الموسيقية قفزات للدرجات الصوتية المتباعدة شخصت الحوار الغنائي قبل أن تتأكد هذه الملامح في ألحان سيد درويش المسرحية..

بعد ذلك فإننا نجد في الجملة الموسيقية في ألحان سيد درويش الغنائية إمكانية تقسيمها إلى عبارات موسيقية استفهامية وعبارات أخرى تجيب على هذا الاستفهام عندما تركز الجملة الموسيقية في النهاية على درجة أساس المقام الموسيقي..

** ملحوظة: كتب سيد درويش تألفات هارمونية في لحن أوبريت العشرة الطيبة "عشان مانعلا" ولحن "دقت طبول الحرب" في أوبريت "شهرزاد"، ولحنين في أوبريت "البروكة" وفي أوبرا "كليوباترا ومارك انطونيو".

الجملة الموسيقية الجماعية الأداء:

وكما أن الجملة الموسيقية في أدوار سيد درويش قد تضمنت ملامح أسلوبه في الحوار الغنائي فإن جملته الموسيقية في أدواره تضمنت أيضاً منذ خطواتها الأولى في حياته الفنية القصيرة خصائص الأداء الجماعي.. ذلك لإن الانتقالات اللحنية ذات المسافات الصوتية المتباعدة والتي قلنا عنها بأنها قاعدة جديدة في ألحان سيد درويش "هي التي تعطي الإمكانية الفنية لانطلاق الأصوات الغنائية الجماعية".

ويقفز في رأسي هذا السؤال: لماذا اختفت الجملة الموسيقية الجماعية من التلحين العربي بعد وفاة سيد درويش؟

 الحقيقة أن الجملة الجماعية لم تختف من ألحاننا المعاصرة تماماً ولكن يمكن أن نقول أنها أصبحت نادرة في إبداع اللحن العربي المعاصر.. فإذا كانت الجملة الموسيقية الجماعية الأداء نسمعها أحياناً في ألحان الملحنين محمود الشريف وسيد مكاوي وكمال الطويل وأحمد صدقي.. فهذا لا يعني أن الجملة الموسيقية الجماعية عماد الأغنية البسيطة قد أصبحت تمثل الشخصية الغنائية الجماعية للمجتمع الذي نحياه الآن.ولعل إسراف الملحن العربي المعاصر في التعبير عن ذاته الولهانة هو الذي رجع بمعظم الجمل الموسيقية في أغانينا إلى العبارات الموسيقية القديمة
إلى أعلى الصفحة  

نماذج أخرى

وفي بعض النماذج الموسيقية الأخرى لأدوار سيد درويش الغنائية نعود إلى الحديث عن الجملة الموسيقية الجماعية في النشيد الوطني "بلادي بلادي لك حبي وفؤادي" إن الجملة الموسيقية التي تتكرر في كل مقاطع هذا النشيد جملة عربية النبرة الايقاعية يمكن أن تنشدها المجاميع بسهولة وتبدو أصالة النبرات الإيقاعية حتى في مجرد اللفظ العربي عندما تصعد الحركة اللحنية في مقطع "يا بلادي عيشي حرة" وغير هذا النموذج.. نموذج آخر من ألحان سيد درويش هو لحن "اقرأ ياشيخ قفاعة".. أن هذا اللحن يقدم لنا شكلاً من أشكال الإيقاع نابع من تقاليد البيئات الريفية في الحديث وهو لحن صالح للأداء الجماعي تبلغ ذروته في التعبير بعنصر الايقاع الساخر عندما يقول المنشدون "واحنا نضحك هق هق" ، ونموذج آخر هو لحن "الشيالين" وتعتمد قيمته التعبيرية أيضاً على عنصر الإيقاع الشعبي ويبلغ التعبير قمته عندما ينشد المغني "هيله هيله" ويرد عليه الكورس "هيله هيله". من هذه النماذج نعرف أن سيد درويش عاش في مختلف البيئات الشعبية ونضجت تجاربه الموسيقية دائما في التعبير بصدق عن هذه البيئات بعنصر الإيقاع النابع من طبيعة حياتها.

يعتبر سيد درويش هو الفنان العربي الأول الذي شكل من عنصر الإيقاع والنغم وحدته الفنية في ربط الفقرات الزمنية المكونة لخطوطه اللحنية.  وأعظم مثال على ذلك هو التكوين الميلودي في الدور الغنائي "والله تستاهل ياقلبي" أن التكوين اللحني في هذا الدور إذا نحن تعمدنا إسقاط درجة نغمية واحدة منه فقد التكوين كل توازنه واختل أثره الفني وذلك يوضح لنا كيف أن سيد درويش كان فناناً أصيلاً وقف طويلاً ليتأمل عمله الفني قبل أن ينتهي منه. وهكذا أبدع ألحانه لتبقى خالدة تنبض بضمير الشعب يتأثر بها الفنان العربي في كل بلد عربي ويبني على أساسها خطوات علمية.
إلى أعلى الصفحة