عباس  محمود العقاد

كتب  عباس العقاد بعد وفاة سيد درويش

إمام الملحنين ونابغة الموسيقى

مات سيد درويش، وإذا قلت سيد درويش فقد قلت إمام الملحنين ونابغة الموسيقى المفرد في هذا الزمان… مات والقطر كله يصغي إلى صوته.. وسمع نعيه من سمعوا صوته ومن سمعوا له صداه من مرتلي ألحانه ومرجعي أناشيده فما خطر لهم - إلا القليلين - أنهم يسمعون نبأ خسارة خطيرة وإن هذه الأمة قد فجعت في رجل من أفذاذ رجالها المعدودين.

كان ذلك النابغة الفقيد، رحمه الله، قد نبه ذكره قبل موته بعامين أو قرابة ذلك واشتهر اسمه وذاعت أغانيه وألحانه، فطافت القطر أجمعه وطبقت المدن والقرى وانبسطت منها مائدة سرور، واسعة الأكناف تناول منها كل غاد ورائح وتضيفها كل طارق وواغل، وكان لكل قلب في عالم السماع نصيب من قلب صاحبها ولكل لسان حظ من وحي لسانه، ولكل مستمع خبر من أخبار روحه الهائمة في أسعد ساعاته وأجمل أوقاته… فكان يرسل اللحن في الرواية أو القصيدة أو الأغنية الصغيرة فما هي إلا أيام حتى تتجاوب بها الأصداء في أنحاء البلاد فيهتف بها المنشدون على الملاعب تترنم بها العازفات في أندية الأسر ومجالس البيوت وينطلق بها الصبية في السبل والأسواق.. وتغدو مصر السامعة كلها كأنها فرقة واحدة وقف منها سيد في منصة الأستاذ، فهو يُملي عليها وهي تسمع، وهو يبدأ لها ويتبعه كلٌ على قدر طاقته من الفن وعلى حسب حظه من جمال الصوت وحسن الأداء والإصغاء.. وما بالقليل على الرجل الفرد في هذه الدنيا أن يُمون أمة كاملة بهذه المؤونةَ المحببهَ وأن يجلب لها سروراً لا تجلبه نفسها بما تصبح فيه وتمسى من جهاد الحياة وأن يُهدي إليها ساعات صفو وأريحية ترتفع بها إلى ملأ الغبطة والنعيم.       

 ولكن - الأمة الكاملة - مع هذا عجزت عن قضاء حق الفرد فمات بينها وهي لا تعلم إنها أصيبت من فقده بمصيبة قومية، ولم تبالي حكومتها أن تشترك في تشييع جنازته وإحياء ذكره كما تبالي بتشييع جنازة الموتى الذين ماتوا يوم ولدوا والمشيعون الذين في بطون أمهاتهم إلى قبر واسع من هذه الدنيا يفسدون فيها من أجوائها ما ليست تفسده العظام النخرات والجثث الباليات.

ولو كان سيد درويش أحدا كآحاد الفئة لما لمنا كبيراً لا صغيراً على إهماله ولا لحق هذه الأمة خير من غفلتها عن تثمير ملكاته وتكميل شوطه. ولكن رأس طائفة وطليعة مدرسة… رأس طائفة لم يتقدمها متقدم وطليعة مدرسة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الموسيقى المصرية، ولا استثنى أحد ممن اتصل بنا نبأهم في العصر الحديث.

        فضل سيد درويش - وهو أكبر ما يذكر للفنان الناهض من الفضل - أنه أدخل عنصر الحياة والبساطة في التلحين والغناء بعد أن كان هذا الفن مثقلاً كجميع الفنون الأخرى بأوقار من أسجاعه وأوضاعه وتقاليده وبديعياته وجناساته التي لا صلة بينها وبين الحياة فجاء هذا النابغة الملهم فناسب بين الألفاظ والمعاني وناسب بين المعاني والألحان وناسب بين الألحان والحالات النفسية التي تعبر عنها بحيث نسمع الصوت الذي يضعه ويلحنه ويغنيه فنحسب أن كلماته ومعانيه وأنغامه وخوالجه قد تزاوجت منذ القدم فلم تفترق قط ولم نعرف لها صحبة غير هذه الصحبة اللزام. ولم يكن الغناء الفني كذلك منذ عرفناه وإنما كان لغوا لا محصل فيه وألحاناً لا مطابقة بينها وبين ما وضعت له. فربما كان "الدور" مقصودا به الحزن والشجون ولحنه أميل بالسامع إلى الرقص واللعب.. أو مقصود به الجزل والمزاح ولحنه أميل إلى الغم والكآبة، ولم تكن الأنغام والأصوات عبارات نفسية وصورة ذهنية ولكنها كانت مسافات وأبعادا تقاس على كذا من الآلآت تربط بكذا من المفاتيح ثم لا محل فيها بعد ذلك لقلب يتكلم ولا لقلب يعي عنه ما يقول. على هذه السُنة درج الغناء عهداً طويلاً إلى أن أدركه المغنيان  عبده الحامولي  ومحمد عثمان فنقحاه بعض التنقيح - بيد أنهما لم يخرجا به من خيز التقليد ولم يردا إليه نسمة الحياة وكانا فيما صنعاه في هذا الفن كالذي يطلق الطائر السجين من قفصه وينسى أنه مقصوص الجناحين كليل العينين يمس قضبان القفص أينما سار.
إلى أعلى الصفحة