من مقالة للأستاذ أحمد بهجت نشرتها صحيفة الأهرام

في عدد 18 سبتمبر من عام 1987

في ذكراه السابعة والأربعين

 لماذا نحب سيد درويش؟

نحب سيد درويش دون أن ندري لماذا؟

لم نسمع كل أغانيه..لم نر كل ألحانه المسرحية.. لم نشاهد أدواره..لاندرسها في معاهد الموسيقى..لاتقدمها لنا الإذاعة والتلفزيون إلا في ذكرى وفاته وميلاده..ورغم هذا كله.. يكفى أن تسافر خارج مصر.. افترض أنك مسافر في الخارج.. تعيش إيقاع الحياة السريع المنظم.. لاتتكلم العربية.. تنسى أحيانا من أنت ومااسمك..تصبح ترسا في آلة كبيرة تمضي بك أو تمضي بدونك.. افترض أنك هناك.. ثم تسمع أغنية لسيد درويش.. أغنية واحدة.. اختر مايعجبك..اختر أضعف ألحانه.. لايهم.. استمع إلى للأغنية.. بم تحس وأنت تستمع إليها.. إن كل حاضرك الأوروبي أو الأمريكي يذوب فجأة وينسحب.. يبتعد من واجهة الصورة..وتحضر مصر هذا الحضور القوي العذب.. تحس بتراب مصر وروحها الساخر وعظمتها وبؤسها في نفس الوقت.

هذا الروح المصري العذب..هذا التعبير عن الشخصية المصرية في مجال الموسيقى هو مايميز سيد درويش، وهو الشىء الذي يجعلنا نحبه. في أغانيه تبعث الحواري والشوارع والطباع والمشاعر والعادات والتقاليد المصرية، يبعث البناءون والسقاءون والعمال والموظفون، وتنعقد المقارنة الدائمة بين مصر ودول العالم.. في سالمة ياسلامة يقول اللحن بسخرية " بلا امريكا..بلا أوربا..مافيش أحسن من بلدي"، يقولها بإحساس من يدرك أن بلده ليست أحسن البلاد، ولكنها يمكن أن تكون أحسن البلاد.. يحس في داخل نفسه بذلك.

والفن اختيار من شخصية الشعب.. وكان فناننا يختار دائما أن يقف بجوار كل ماهو نبيل وطيب وراق في مصر..

أغنيته " أنا المصري كريم العنصرين"، أغنيته " بنت مصر"، أغنية " بلادي بلادي.. مصر يا أم البلاد"

لقد كان غوصه الدائم بحثا عن الشخصية المصرية، وعثوره على النبع الذي استقى منه ألحانه، كان هذا هو السر في أصالته وحياته.. أن مصر لا تموت أبدا، قد تمرض، وقد تضعف، وقد يصيبها ما يصيب كل الأمم، لكنها لاتموت، ولقد كان تعبير سيد درويش عن الروح المصري الخالص وعثوره على الجوهر الأبدي هو السر في حياة موسيقاه حتى اليوم.

بماذا تحس عندما تستمع إليه إنك تحس أنك مصر كلها..بالأربعة آلاف قرية التي تضمها.. بالأحلام التي تعيش عليها..بشوارعها وحواريها وأفراحها وأحزانها. ستجد التصاق سيد درويش الواضح بمشاكل الطبقات والفئات العاملة، حتى لاتكاد توجد طائفة من الطوائف لم يجر على لسانها لحن من ألحانه.

لهذا السبب الرئيسي بسبب الأصالة المصرية مضافا إليها عبقريته وتجديده، نحب سيد درويش.

وكم نود أن يكون تعبيرنا عن حبنا لسيد درويش بالطريقة المصرية التي عبر هو بها عنا.
إلى أعلى الصفحة