كنب بديع خيري يصف لقاء سيد درويش بالشيخ سلامة حجازي

ذكريات بديع خيري عن سيد درويش

 

لقد كان سيد درويش فذا في عبقريته.. وكان في بدنه روح الفنان منذ شب. "كان المرحوم الشيخ سلامة حجازي علما من الأعلام يوم كان الشيخ سيد درويش يطرق أبواب الفن.. ويعمل في مقهى صغير بالإسكندرية..وفي أحد الأيام كان أحد أعوان الشيخ سلامة يتجول ..وساقته المصادفة ‘إلى المقهى الذي يغني فيه سيد درويش..فسمع منه ما بهره وأذهله..وأسرع الرجل إلى الشيخ سلامة يقول له إني سمعت الليلة غناءا عجبا من شيخ معمم اسمه سيد درويش..وراح رسول سلامة حجازي إلى الشيخ سيد يزف إليه بشرى رغبة الشيخ  سلامة حجازي في سماعه..وطلب من سيد درويش أن يذهب معه إلى الشيخ سلامة..وذهل الرجل عندما سمع الشيخ سيد درويش يقول له:"أنا لاانتقل من مكاني" وإذا أراد الشيخ سلامة أن يسمعني فليتفضل بالحضور إلى هذا المقهى الحقير..وإلا فلن أذهب إليه".

حاول الرجل أن يثني سيد درويش عن رأيه ولكنه لم يوفق.. ولما أمعن في الالحاح قال سيد درويش:"اسمع.. الفن له كرامة..وأنا شاب على أبواب الحياة..ولكن كرامتي في الذروة" وعاد الرجل ليقص على الشيخ سلامة ما سمعه من سيد درويش..وهو يظن أن سلامة حجازي سيغضب ويثور ولكنه فوجئ عندما رأى الشيخ سلامة فرحا باعتزاز الفنان بكرامته وسمعه يقول "لابد أن يكون هذا الولد فنانا تأصلت في قلبه جذور الفن..سأذهب لأستمع إليه.." ورفض الشيخ سلامة أن يستمع لمن حاولوا أن يثنوه عن عزمه على الذهاب لحقارة المقهى الذي كان يغني فيه سيد درويش.. وذهب واستمع إلى الفنان الجديد فأعجب به.. وأحبه..وضمه إلى فرقته.
إلى أعلى الصفحة  

  "وعندما وقف الشيخ سلامة ليقدم سيد درويش لأول مرة..خاطب الجمهور قائلا: "سأقدم لكم فنانا موهوبا لا اسم له ولاشهرة، فاستمعوا إليه وانصتوا إلى فنه..وسيكون لتشجيعكم الأثر كل الأثر في تقدمه".   وظهر الشيخ سيد..وغنى بصوته الخشن الذي لم تكن فيه حلاوة فاستقبل اسوأ استقبال..ولم يفهم الحاضرون فن سيد درويش وقدرته..وعندئذ غضب الشيخ  وخرج ليخاطب النظارة في جرأة وخشونة قائلا:" إنكم لم تفهموا الفن الأصيل والموهبة الفذة التي يتمتع بها هذا الفنان سيد درويش".

 ومضت الأيام .. وإذا بالحان سيد درويش تصبح على السنة الخاصة والعامة وتتحقق فيه فراسة الشيخ سلامة حجازي.

ذكريات بديع خيري عن سيد درويش

"هذا هو سيد درويش.. الذي مااستعدت ذكريات شبابي إلا كان له منها النصيب الأوفر"

لقد عرفت سيد درويش عندما جاء به الأستاذ جورج أبيض من الإسكندرية على إثر ذيوع أغنيته المشهورة "زوروني كل سنة مرة" التي غناها حامد مرسي في مسرح الهمبرا بين الفصول ذات ليلة فاستعادها الجمهور أكثر من عشر مرات وتأخر موعد التمثيل ساعات بسببها وعندما لحن "فيروز شاه" لفرقة  جورج أبيض التي ألفها إلى جوار فرقته التراجيدية لتمثل بعض الأوبريتات مجاراة للعصر..كنت يومها مازلت مدرسا وكانت صلتي بالمرحوم نجيب الريحاني في بدايتها".

 وأدرك العبقري نجيب سر عبقرية سيد درويش فدعاه للعمل معه وتعاونت معهما..ومنذ ذلك التاريخ أصبحنا ثالوثا ..لايفترق أفراده..كنت أؤلف كلمات اللحن ويلحنه سيد درويش ثم يغنيه نجيب الريحاني وأفراد فرقته فتنتشر في أنحاء القطر في اليوم التالي. عرفنا المجد.. وعرفنا الدموع.. وعشنا مع الشعب في تلك الفترة السعيدة من العمر.. ثم تركنا سيد مبكرا..

ومن أروع ذكرياتي عن سيد درويش.. أنه كان يسير قبل 30 *عاما في أنحاء القاهرة صفر اليدين من المال بينما كانت القاهرة تتغنى بألحانه..ذهب إلى الأزبكية فإذا بالمطربين والمطربات يرددون أدواره القديمة..وذهب إلى عماد الدين.. فإذا المسارح كلها تردد الحانه المسرحية..وذهب إلى روض الفرج فإذا بالمغنيين والمغنيات وأفراد الكورس يرددون الحانه وأغانيه.  ورفع سيد درويش وجهه إلى السماء وسالت دموعه..دموع السعادة..والغبطة..وفرح الفنان بإشاعة رسالته بين الناس.    إنني لاأزال اتصوره..ولايمكن أن انسى صورته وهو واقف في إحدي عربات الحنطور في ميدان الأزهر إبان ثورة 1919 ينشد أناشيده الوطنية في حماس مشتعل وخلفه الوف الناس يرددون اللحن معه ويعرضون صدورهم لرصاص الإنجليز.وتجمع عدد كبير في العربة فتحطمت إحدى عجلاتها.. وأخرج سيد درويش محفظته من جيبه..وحاول أن يقدم للحوذي تعويضا..لكن هذا قال محتجا "كيف تفعل هذا ياسيد؟ إننا هنا نعرض صدورنا لرصاص الإنجليز إعلاء لكلمة وطننا ونعرض أرواحنا للدمار.. فهل تعطيني تعويضا عن عجلة تحطمت؟ لا..لا  ياسيد.
إلى أعلى الصفحة  

نعيش على قروش

ولقد قاسينا معا مرارة الفقر والجوع.. ولكنه كان فقرا لذيذا..كنا نجتمع فيسألني معاك كام يابديع؟ فأقول ثلاثة قروش..وأنت معاك كام؟ فيقول خمسة قروش..فنضم مامعي على مامعه لننفق منه يومين أو ثلاثة..أو أربعة إذا أمكن."وكنا نهرب من المقهى الذي اعتدنا الجلوس فيه..حتى لا يمر علينا صديق نعجز عن أن نطلب له قدحا من القهوة ."كانت حيانتا موسما متصلا للإفلاس.. ولكن كانت هناك مواسم للثراء وهي مواسم تسجيل الاسطوانات التي كانت تأتينا مرة واحدة كل ستة أشهر .."وكان أمامنا مورد رزق آخر..ولكنه كان موردا عسير المنال.. هذا المورد هو "الخواجة ميشيان" وهو رجل أجنبي عنده جهاز لتسجيل الاسطوانات وضعه في حجرة فوق سطح بيت أمام محل عمر افندي وكان الرجل يعلم شدة حاجتنا للمال..فكان يستغل هذه الحاجة ليثرى هو..ولنأكل نحن.."وإني لأذكر يوما ضاقت بنا فيه سبل الرزق.. ولم يكن مامعي وما مع الشيخ سيدي يتجاوز عشرة قروش..فاقترحت على الشيخ سيد أن نعكف أنا على التأليف وهو على التلحين ثم نذهب إلى "ميشيان" فنبيع له ما انتجنا.
إلى أعلى الصفحة  

نبيع ترمس

وجلسنا ليلة كاملة وضعت فيها اثني عشر دورا لحنها الشيخ سيد درويش وذهبنا في الصباح إلى ميشيان تداعبنا الأماني والآمال.   وبنظرة واحدة اكتشف ميشيان فابتسم ابتسامة الفاهم وقال"سمعوني"..واسمعناه..فاختار ثمانية أدوار..بدأ يساومنا عليها..وعرض علينا عشرة جنيهات..وعندما بدأت ابذل محاولاتي لأحمل الرجل على دفع 15 جنيها.. كان الشيخ سيد قد استبدت به ثورة غضب لكرامته وسمعته يقول: "ايه ده ياخواجة؟ ثمانية أدوار تأليف وتلحين بعشرة جنيه..هو احنا بنبيع ترمس؟"

  ورفع الرجل الثمن إلى 12 جنيها..فتنفست الصعداء ولكن سيد درويش – رحمه الله-زادت ثورته..فجمع النوت كلها..لا ليخرج بها..بل ليمزقها ويلقي بها على الأرض وسحبني من يدي بعنف..وخرجنا أشد جوعا مما دخلنا

من صفائح الزبالة

وضاقت الدنيا في عيني..فقلت للشيخ سيد اعاتبه:" عملت كده ليه ياشيخ سيد؟وناكل منين؟" وإذا به يقول لي:"اسمع يابديع..الجوع مش عيب..إن خدش الكرامة هو اللي عيب..لازم نحافظ على كرامة الفن..ناكل تراب..نسف رمل..ناكل من صفايح الزبالة لكن يجب أن تكون لنا كرامة..الدور بجنيه وربع؟ ..تأليف وتلحين وغناء.. دي بلد يجوع فيها العباقرة أمثالنا.." "ومضى الشيخ سيد يلقي هذا الدرس الذي لم أنسه ولن انساه"

"رحمه الله لقد كان فنانا أصيلا له نفس أبية وكرامة عزيزة المكانة"  

أمنيات سيد درويش

كان لسيد درويش أمنيات لم تتحقق..كان يتمنى دائما أن يضع موسيقا اوبرا عالمية تخلد جهاد الزعيم أحمد عرابي..ولكن هذا كان مستحيلا بالنسبة للرقابة الإنجليزية التي كانت موجودة في ذلك الوقت.وكان يتمنى أن يسافر إلى إيطاليا ليدرس الموسيقا على أيدي أساتذتها وأعد نفسه للسفر فعلا عام 1923..وذهب إلى الإسكندرية ليستجم قليلا ولكنه توفي قبل أن تتحقق أمنياته.

آه لو عاش سيد درويش حتى الآن..لأسمعنا موسيقى الثورة وروح العهد الجديد..لو عاش سيد درويش إلى الآن لكان لتاريخنا الموسيقى شأن آخر..فقد آمن سيد درويش بفكرتين إيمانا قويا أبرزهما في كل إنتاجه الفكرة الأولى..هي المصرية الصميمة ..فموسيقاه انعكاس لتاريخ مصر وتصوير لحاضرها ورسم لمستقبلها وهي تمثيل لروح بنيها جميعا كما خلقهم الرحمن ..والفكرة الثانية هي القوة والرجولة والفحولة والأصالة..وحتى الحانه الغرامية تتجلى فيها هذه القوة..ولايشوبها الضعف ولا التخنث..ولاالاستجداء من أي ناحية.

إن الرجل المحب في الحان سيد درويش الغرامية هو الإنسان المعتز بكرامته ورجولته وليس المخنث المتخاذل الذليل الذي تصوره الحان غيره..والمرأة المحبة هي الأنثى الكريمة على أنوثتها..وليست الغانية المتلوية على مهد في ليلة حمراء التي نسمعها في الحان غيره.

وقد آمن سيد درويش في أخريات أيامه بفكرة جديدة خطيرة هي أنه يمكن الاحتفاظ بالروح المصرية في الألحان مع انتهاج الأسلوب العالمي في الأداء فرأيناه يدخل الأسلوب الكونترابونتي في بعض الحانه وهو الأسلوب الذي استطاع به أن يظهر على المسرح عدة أشخاص كل منهم يغني عبارة مختلفة عن العبارة التي يرددها الشخص الآخر بلحن مختلف عن اللحن الآخر..بينما تعزف لهم الاوركسترا جميعا..بينما يتبين المستمعون مايقوله كل فرد وهو مالم يستطع الملحنوه قبله ولابعده أن يفعلوه..ورأيناه يحذف ربع المقام من الحانه المسرحية بحيث تستطيع الآلات الغربية عزفها بمنتهى السهولة ويستطيع المستمع في أي بلد من البلاد أن يطرب لها..لقد عزفت موسيقا سيد درويش في فيينا فطرب لها النمساويون وتحدثوا عن عبقريته..بينما يشكك البعض في مصر إلى الآن في مسألة عبقريته..ويحسبونه في عداد قدامى المغنيين."

إلى أعلى الصفحة  

كتب بديع خيري في 30/9/1923  يقول: بعد وفاة سيد درويش

اختار الله للجنة رجلا زادنا شوقا إلى الجنة .. برحيله إليها وإقامته فيها فقد فارقنا الشيخ سيد درويش وليس في البلاد من يطيق فراقه أو يصبر عنه..ولو كان الرجل مما يقتسم لاقتسمته المدن..ولكن الحانه كانت في كل مكان يرددها المغنون فكأننا نسمعه ونراه وماكان الشيخ سيد درويش بالذي يوقع الحانه كما يوقع الملحنون الالحان..لنعجب وتطرب..بل كان يصل بالسامع في الإطراب والإعجاب إلى غاية لا يدركها غيره فيخيل إليك أن الأرض والسماء تهتزان مع اوتار الموسيقى وصوت المغني بنغمات تشترك في اسماعها الآذان والجوارح كلها كأن كل عضو من أعضاء السامع أذن.ّ. فهو المطرب الذي كان يمتلك النفوس والآذان ويقوم له من الطرب ويقعد كل إنسان ذلك حين يغني المغني بألحان الشيخ سيد.. ولم يكن الشيخ سيد يغني بنفسه إلا قليلا.. فإذا غنى فإني لا أدري ماذا أقول وماذا عسى يقال في حال يكاد الناس عندها يطيرون؟

 وليس فضل الشيخ سيد درويش على الموسيقى العربية مما يحصى..ولكنا ذاكرون ع له نغمة تشعر بالشوق..ويختار النغمة المشجية للحنين..ولما يقال في الحزن عنده نغمات محزنة..وللحماسة في الحان مايتحمس به الجبان..ومامن حال من أحوال النفس إلا كان يأتيه بما يطابقه من الألحان وقد أبى الله أن يأخذ هذا المطرب إلا في وقت طرب في جميع البلاد فتوفي في أكبر فرج شهدته مصر منذ كانت مصر.. توفي في الأسبوع الماضي والموسيقى تصدح في كل مكان..والأعلام تخفق على كل بناء وهي مصادفة أكرمه الله بها وفي فقد البلاد أيام يقول بديع خيري في مقدمة مرثاته.!

 جايين يقولوا لي البقية في حياتك

 ولاليش حياة من بعدك انت يا(سيد) 

  الله يعوض مصر خير في مماتك 

  بنيان يدوم للناس ويفنى اللي شيد

  ياما رثيت غيرك وخففت نوحي 

 من سحر ألحانك ورقة شعورك

  أما النهار ده يحق لي أرثي روحي

 أرثي بلد عدمت ليالي سرورك

  لو كان يطاوعني على الصبر قلبي

 كنت أمتثل لكن مابليد حيلة

  ياقبر درويش فيك آمالي ومطالبي 

  والعين دموعها عاللي جوال قليلة

  قول لي بأنهي عقل أكتب وأحرر

 وبأنهي ودن أسمع رنين الأغاني

 وبأنهي جفن أنام وطيفك مصور

 قدام عيني وكل ماشفته فاني

 الموت علينا حق بس الأكاده

 ماياخدش إلا كل نابغ وناصح

  في الجنة مكتوب لك نعيم السعادة 

  واحنا الشقا مكتوب لنا لي المراسح
إلى أعلى الصفحة  

 مقالة أخرى لبديع خيري