عبد الفتاح البارودي

الناقد الفني

مسرح سيد درويش

لولا اتجاه فنان الشعب سيد درويش إلى المسرح لما استطاع أن ينقذ موسيقانا من الاختناق بين صالونات الباشوات والأغوات. إن الانتقال من الصالونات إلى المسرح ومن الأغاني الفردية السطحية إلى الأغاني التي تعبر عن الناس.. والتي يرددها الناس.. إلى الحياة نفسها بأوسع وأحب مغانيها.  وسيد درويش هو الفنان الذي حقق هذا الانتقال.. ليس فقط لأنه غنى للناس وغنى في الشوارع وفي المواكب الوطنية.. ليس فقط لإنه غنى للمراكبية وللصنايعية.. ليس فقط أنه غنى الأناشيد الجماعية.. وإنما لكل ذلك.. ولأنه أحدث ثورة في التفكير الموسيقي بحيث أصبحت ألحانه الصورة الموسيقية لثورة الشعب في سنة 1919.

لكي نفهم  سيد درويش يجب أن نبحث هذه الدقائق بصراحة ووعي وبدون مغالاة. إن سيد درويش لم يكن أسطورة.. ولم يكن بيتهوفن… وإنما كان مثل كل الفنانين العمالقة – فنانا مرتبطا بظروفه.. بمعنى أنه أدرك دوره الفني في المجتمع الذي عاش فيه.. وأدرك فاعلية الموسيقى وماذا يمكن أن تؤديه

كيف حقق هذا؟

إن اليقظة الشعبية هي أساس هذا التغيير الذي حدث في مجتمع 1919.. وكان سيد درويش استجابة فنية لهذه اليقظة وكان مسرحه – أي إنتاجه من الألحان المسرحية- من أفضل أدواتها الفنية.

إننا ندرك هذه الحقيقة الفنية بالمقارنة.. المقارنة بين الفترة التي نشأ فيها مسرحنا الغنائي الذي بلغ ذروته في مسرح سيد درويش.. والفترة التي أعقبتها مباشرة وتحطم فيها مسرحنا الغنائي .. بما في ذلك مسرح سيد درويش بمجرد وفاته.. لم تكن مصادفة أن يتحطم مسرحنا الغنائي في نفس الوقت الذي تفتت فيه قوى الشعب.. وكانت النتيجة هي تفتيت الموسيقى والإنتاج الموسيقي و هكذا عادت الأغنية الفردية السطحية إلى الظهور.

إن مجتمعنا الجديد يجب أن يعود إلى موسيقى الوعي والصحو والفهم والحيوية.. الموسيقى التي تثير البهجة الإنسانية وتدعو إلى النضال بالتعبير المتكامل فنيا.. وليس بالتطريب الرخو… وبالثقافة الفنية وليس بالارتجال وطريقنا إلى ذلك هو المسرح الغنائي.

إن واجبنا إلى جانب دراسة فن سيد درويش أن نحاول تقريبه للجيل الجديد…إننا نريد من دراسة موسيقاه وتقريبها للجيل الجديد أن ندرك مدى الارتباط بين الفنان والناس وبين الفن والواقع.. وعندئذ سنجد أن العودة إلى موسيقاه ضرورة لكي نواصل الجهود التي بذلها لتطوير وتعميق موسيقانا وتفكيرنا الموسيقي.

إن العودة إلى سيد درويش هي البداية الجديدة لطريق جديد نحو موسيقى والحان ومسارح غنائية وأوبريتات تعيش للناس تنبع من الناس وتتدفق وتتجدد باستمرار كأداة للحياة وللنضال.. موسيقى تقوم على أسس علمية.. موسيقى تشارك في الحضارة… موسيـــقى  " صاحية"  متطهرة من رواسب الصالونات.
إلى أعلى الصفحة  

 مقالة أخرى لعبد الفتاح البارودي