الدكتور حسين فوزي

منشئ البرنامج الموسيقي بالإذاعة

أتيح لي أن أحضر حفلا أقيم تخليدا لذكرى الشيخ سيد وقد سمعت فيه فاصلا موسيقيا موضوعه:

المنظر: على قارعة الطريق أمام الكتبة العموميين وقد جاء رهط من الفلاحين والفلاحات يستكتبونهم خطابا لإدارة الجهادية. إنني أيها السادة استمع إلى موسيقات العالم منذ أكثر من ثلاثين عاما، فليس من على من كان هذا حاله أن يدهشه شيء‍‍‍ ومع ذلك أؤكد لكم أنني حبست دموعي وأنا أنصت لهذا المنظر الموسيقي من تأليف سيد درويش. حبست دموعي لا لأن المنظر محزن فهو غاية في الطرافة باعث على الضحك من أوله لآخره، مطرب إلى أقصى حدود الطرب، وقد ضحكت وطربت له.

إنما تأثري الفجائي كان مزيجا من الحزن على سيد درويش الذي قضى في شبابه، ومن الفرح بأن الرجل مازال حيا في موسيقاه لأن موسيقاه جديرة بالحياة. فهؤلاء الكتاب العموميون يتحدثون فيما بينهم حديثهم العادي في شيء من الحذلقة..ولكن بالغناء..ثم يجيء الفلاحون يتحدثون في شؤنهم وفيما جاءوا لأجله حديثهم العادي، وبلهجتهم الريفية- ولكن بالموسيقى- ويقاولون الكاتب العمومي على الأجر، ويبدأ هذا بكتابة خطاب إلى إدارة القرعة وهو يمليه على نفسه بصوت مرتفع، ذاكرا اليوم والتاريخ والمكان، مرددا ألفاظ التفخيم لسعادتلو افندم حضرتلري.. وهكذا حتى خاتمة الخطاب بنصه وفصه ولكن بالموسيقىكلها رشاقة ودعابة وسخرية بريئة . والسخرية البريئة من أقوى أدوات التعبير في الفن وهي السخرية التي سوف نذكر بها دائما نجيب الريحاني، وهي السخرية ضاحكة السن في موسيقى سيد درويش.

بمثل هذا الفن استطاع ملحننا الفريد أن يتخطى العرف الموسيقي في التعبير عن صد الحبيب ووصال الحبيب- وله في هذا صفحات تضطرم بنار الجوى في أدواره القديمة وفي ذلك المنظر الفريد بين العاشقين في رواية "العشرة الطيبة". أقول يتخطى سيد درويش محض العرف الموسيقي في تصوير الحب والحزن والحماس إلى الدعابة فالضحك فالتصوير الكاريكاتوري.

فهل لي أن  أتقدم برجاء إلى شباب الموسيقيين أولئك الذين يدرسون لغة الموسيقى في غير الحانات ومجالس الأنس، الذين يسهرون الليالي في حل تمرينات الهارموني والكونترابونتي وتحليل الفوجة  والسوناتة والتوزيع الاوركسترالي إليهم أسوق الرجاء أن يؤدوا دينهم لسيد درويش وذلك بأن يحاولوا - لا كتابة موسيقى رواياته- فهذا أمره أيسر عليهم مما كان عليه منذ ربع قرن_ وإنما بوضع هارمونيتها وتلوينها بالاوركسترا على أساس من العلم الصحيح. وأؤكد  لهم أن "العشرة الطيبة" و"شهرزاد" إذا خدمتا هذه الخدمة الفنية بإخلاص جديرتان بأن تسمعا في أنحاء العالم نموذجا للأوبريت المصرية التي وضع سيد درويش أساسها في فجر الحركة الوطنية ولم تجد بعد من يأخذ بيدها أو يحذو حذوها.  ولهم فيما عمله الموسيقيون الروس سابقة مشهورة وأكثر من سابقة فقد ألف مسورجسكي - وكان موسيقيا على الفطرة قليل العلم بالفن الموسيقي- رواية "بوريس جودنوف" وتركها مجرد الحان، فجاء الموسيقي العالم رامسكي كورساكوف وشيد لهذه الألحان صرحها الهارموني والاوركسترالي. فهذه الأوبرا وهي من أعظم ما ألف للمسرح الغنائي في كل العصور تدين لرامسكي كورساكوف بذيوعها وتأديتها في جميع دور الأوبرا شرقا وغربا. إنني أتوجه بهذا الرجاء إلى شباب الموسيقيين خدمة لذكرى موسيقي مصري فذ وخدمة لفن الموسيقى، بل خدمة لمصر، وسوف يخلد اسم من ينهض بهذا الواجب إلى جانب اسم الرجل العظيم الشيخ سيد درويش.
إلى أعلى الصفحة