الرحلة إلى القاهرة

دكتور محمود أحمد الحفني

 

عام 1917 عام مشهود في تاريخ الموسيقى العربية والمسرح الغنائي، شهدت فيه القاهرة مطلع نجم لامع كان مشرقه مدينة الإسكندرية ، هو الشيخ سيد درويش. كما شهدت فيه توديع نجم استكمل سطوعه وذيوعه وشهرته وكان مشرقه الإسكندرية كذلك، وهو الشيخ سلامة حجازي علم الغناء المسرحي وقتذاك والذي وافته المنية يوم 4 اكتوبر 1917، وكأنما أراد القدر ألا يغرب عن سماء مصر كوكب حتى يمهد الطريق  لسطوع كوكب آخر يملأ الدنيا فنا وطربا.

لقد اشتركت عوامل مجتمعة كانت كلها باعثة على ترك سيد درويش مدينته ومسقط رأسه، في مقدمتها إقناع جورج أبيض له بجدوى هذه الهجرة، فوعده إياه بأن يعهد إليه أمر تلحين مسرحياته الغنائية لفرقته الجديدة، ولم يكن ذلك الإغراء مقصورا على جورج أبيض وحده، بل أن جميع رجال الفن القاهريين كانوا كلما التقوا بالفنان في الإسكندرية زينوا له الانتقال إلى القاهرة والعمل في جوها الرحيب. كذلك كانت شركات الاسطوانات تسجعه على هذه الهجرة، فقد بدأت تسجيل إنتاجه في الإسكندرية ولاقت تلك التسجيلات رواجا كبيرا حمل أصحاب تلك الشركات على دفعه إلى الإقامة بالقاهرة حتى ينفسح أمامها المجال عن قرب لتسجيل ما يقدمه من الإنتاج الغزير، وكان فيما قدمته إليه من وعود عن رفع أجور هذه التسجيلات ماحفزه على قبول مشورتها.تلك هي البواعث المادية التي دعت سيد درويش للرحيل إلى العاصمة.

وهناك عوامل نفسية أخرى  دفعته إلى هجرة الإسكندرية، في مقدمتها رغبته في التخلص من الجو القاتم الذي يحيط به فيها، ذلك الجو الخانق الذي كان يعيش فيه، والذي كان له التأثير الأكبر عل صحته، وكانت علاقته بجليلة ماتزال قائمة وهي علاقة كانت معوقة لمجده مثيره لقلقه وإزعاجه، فأراد أن ينجو بنفسه، ولعل الكلمات الواضحة في الدور الخالد "يوم تركت الحب" تعبر في جلاء عن هذه الحقيقة حيث يقول في مطلعه:

يوم تركت الحب كان لي             في مجال الأنس جانب

ورأيت المجد عاد لي                بعد ما كان عني غايب

مين يصدق بعد ميلي                إني اقول الهجر واجب

ولكن هل كان تفاؤل الفنان  صادقا؟ كلا، لقد لاحقه البؤس في اول عهده في القاهرة، ذلك أن فنه لم يكن قد سبقه إليها ولم تكن العاصمة لتعرف عن الفنان الشاب الوافد إليها شيئا، فلم يجد سبيل العيش أمامه ممهدا ولاميسورا.

فإلي من يلجأ الفنان أمام هذه الحيرة التي تعوزه فيها المعونة والتوجيه؟

قصد سيد درويش إلى الشيخ سلامة وكان قد استمع إليه قبل ذلك في الإسكندرية أكثر من مرة وحاز إعجابه وشجعه على المضي في طريقه الجديد، ودعاه إلى القاهرة . فلما علم بمحنته مد له يد العون بإقامة حفل يخصص إيراده لسيد درويش وأبت على الشيخ سيد عزة نفسه أن يتناول دخلا عن عمل لم يشترك فيه فقام بإلقاه أغانيه بين فصول الرواية، ولكن الجمهور استقبله بما لم يكن يأمل فيه، ولاشك أن مصدر هذا الفتور الذي قوبل له غناؤه هو ما كان يتمتع به الشيخ سلامة من الصوت الساحر والمكانة الكبيرة في قلوب الجماهير.

وأخذ الشيخ سيد يقيم حفلات بقهوة البسفور من حين لآخر بقصد الحصول على مايكفيه مؤونة العيش.
إلى أعلى الصفحة  

كانت الحرب العالمية بنكباتها وأزماتها قد أثرت على حياة الناس وبدلت رخاؤهم وأمنهم ضيقا وفزعا، فلم يكن هناك بد من خلق الوان فيها صنوف من التسلية والترفيه، فبدأ المسرح الفكاهي في الساحة وظهرت فيه فرقة عزيز عيد تضم في طليعة أفرادها نجيب الريحاني الذي سرعان مااستقل بفرقته ثم افتتح إلى جانبه مسرح "كازينو دي باري" برياسة أمين صدقي ثم علي الكسار، وأخذت هذه الفرق تتنافس فيما بينها، وأمام التشجيع الباهر الذي لقيته هذه الفرق من إقبال الجماهير لم تجد فرقة أخرى بدا من المحاكاة، بل كان من أثر ذلك أن فرقة " جورج أبيض" زعيمة المسرح التراجيدي لم تجد بدا من مزج إنتاجها بالغناء المسرحي. واستدعى جورج أبيض الفنان الشاب سيد درويش وطلب إليه تلحين مسرحية "فيروز شاه" نظير أجر قدره 20 جنيها.

وقام سيد درويش بتلحين هذه المسرحية على أسلوب جديد لم يعهده الناس من قبل، ذلك أنه درج على أن يقرأ المسرحية كلها قراءة فاحصة، ثم يعيش في أدوارها، فتعتمل في نفسه كل شخصية من شخصياتها، فيلبس التلحين الخاص بكل منها اللون الذي يلائمها، ثم يعيش مرة أخرى في مواقف المسرحية، فيتمثل كل حركة من حركاتها في المسرح وماينبغي أن يناسبها في اللحن، ثم يعيش مع كلمات الأغنية لفظا لفظا، يرددها ويرددها على ضوء هذه الاعتبارات السابقة حتى يستقيم اللحن.

وقد شهد جورج أبيض ورئيس فرقته الموسيقية وكل من أتيح له الاستماع إلى ألحانها، قبل عرضها، ومن عازفي الموسيقى جميعا بسمو هذا الإنتاج الفني، وقدروا لتلك المسرحية نجاحا باهرا، غير أن الجمهور لم يكن قد استساغ بعد هذه اللون من التلحين، فسقطت " فيروز شاه".

ولكن شمس هذه العبقرية سرعان ما بددت عن نفسها سحب الإنكار والجحود بقوة حرارتها فتسطع باهرة تضىء جميع الأوساط المسرحية بما قدمه إليها من فيض وإغداق.
إلى أعلى الصفحة