الدكتورة سمحة الخولي

"وقفة تأمل في ذكرى سيد درويش"

 قبل سيد درويش كانت الموسيقا المصرية لا تعرف غير الشجن والوجد والهيام..وبعد سيد درويش كانت الموسيقا تغني للوطنية وتعبر عن طوائف العمال وتوحي بجو الريف وتسخر من الحكام الطغاة".   ." ولد بحي فقير بالإسكندرية فنان من أبناء الطبقة العاملة..وفي حياته القصيرة التي لم تزد كثيرا على ثلاثين عاما.. استطاع هذا الرجل أن يغير وحده الموسيقا والغناء في بلاده تغييرا لم نتوصل بعد إلى تقييمه تقييما علميا بعيدا عن الانفعال..هذا الفنان الذي عاش عمرا قصيرا ومات عظيما هو سيد درويش. لقد ترك لنا سيد درويش أدوارا غنائية كبيرة..وعددا محدودا ولكنه قيم من الموشحات الجيدة، لعلها كانت في مجموعها امتدادا لأسلوب عصره في التلحين الغنائي ولكن إلى جانب ذلك لحن عددا من الأوبريتات والأغاني والاسكتشات المسرحية انتهج فيها خطا جديدا تماما في التلحين الغنائي في عصره.. وأثبت الزمن أن هذا الاتجاه كان بداية طريق هام في الموسيقا المصرية..

عندما ولد سيد درويش كانت الموسيقا  المصرية والغناء فنا للخاصة وعندما مات كانت موسيقاه وألحانه تتردد في أنحاء البلاد ملكا للعامة من أبناء الشعب كله.   وجد سيد درويش الموسيقا المصرية الغنائية بطيئة رتيبة حافلة بالتكرار ومات سيد درويش بعد أن فتحت موسيقاه وخاصة المسرحية منها – أفاقا جديدة في مجال التعبير والتأثير النفسي حين وثق ارتباط الألحان بمعاني الكلمات وأجواء المشاهد.. بل وطرق مجالا أكثر صعوبة هو مجال الغناء الكورالي البوليفوني المتعدد الألحان.. إذ هدته فطرته الموسيقية إلى التعبير عن موقف مسرحي مركب بإسناد ألحان مختلفة لشخصيات المسرحية ليعلق كل منها على الموقف من زاويته الخاصة في الوقت نفسه..وإذا كان سيد درويش قد توصل إلى هذا الغناء البوليفوني بفطرته دون تعليم خاص في هذا المجال بالذات فإنما كان ذلك مظهرا آخر من مظاهر تفتحه الفني ورغبته في توسيع آفاق الموسيقا في مسرحياته الغنائية.

خلاصة القول أن سيد درويش كان نقطة تحول هامة في تاريخ موسيقانا، وموسيقا سيد درويش في حياتنا اليوم محوطة بموقف متناقض.. فهي حاضرة وغائبة في آن واحد..حاضرة معنا تفرض نفسها في كثير من مناسبات حيايتنا "كما حدث في تفرد نشيد بلادي بلادي ووقوفه وحده في أحلك الظروف" وبين انتشار أغاني "طلعت يامحلا نورها" و"زوروني كل سنة مرة" وغيرها من ألحان أصبحت متداولة على الصعيد الشعبي، وموسيقا غائبة من حياتنا بحكم اختفاء مدوناتها ودراساتها من مجالات التعليم الموسيقي المتخصص والعام..و ندرة اسطواناتها وتسجيلاتها وتباعد تقديم مسرحياته الغنائية.

وينبغي أن توجه الجهود نحو إصدار طبعة موسيقية كاملة لكل إنتاج سيد درويش مدونا بالنوتة تدوينا دقيقا، وينبغي أن تظهر دراسات فنية لموسيقاه تحللها وتنقدها وتقيمها..و أن تطبع اسطوانة أو اسطوانات جيدة لعيون ألحانه وينبغي أن ينشط أصحاب التربية الموسيقية إلى انتخاب نماذج تعليمية تثري وجدان الطفل من موسيقا سيد درويش ويضعونها بين يدي الأجيال القادمة لكي يصبح سيد درويش في حياة هذا الشعب حقيقة حية مسموعة لها حيزها في تكوينه الموسيقي..