كتب توفيق الحكيم

كان سيد درويش يرى من أسرار الفن أكثر مما نرى

فن الموسيقا في مصر كما عرفناه في العشرينات كان يلمع في سمائه ثلاثة نجوم داوود حسني .. سيد درويش.. وكامل الخلعي.

ولم تكن معرفتي وثيقة بسيد درويش.. ولكن رواية غنائية لي عرضت عليه.. فطلب في تلحينها ستمائة من الجنيهات.. فرأت الجوقة انه قد سأل شططا فسحبتها منه.. وعهدت بها إلى كامل الخلعي الذي رضي بثلاثين على أننا كنا نعيش في ذلك الجو الفني العجيب.. الذي استطاع أن يخلقه سيد درويش..كنا نتتبع آثاره الجديدة في كل مكان.. ونعرف أحدث الحانه قبل أن تذاع..من فمه.. أو من أفواه من التقطوها عنه في ليلة من ليالي وحيه المنهمر.

على أني في ذلك الوقت..كنت أكثر احتفاء بما يخرجه هذا الموسيقي المجدد في النوع الجاد من الأوبريت..وأنه لمن المحزن..أن نرى الجيل الجديد يصغي إلى هذا الكلام دهشا.. لا يتصور كيف ازدهر هذا اللون من الموسيقا في الماضي ومات في الحاضر.

كانت أغاني سيد درويش…وألحانه الشعبية…تسري في الناس كالنار في الهشيم..ولكني ما كنت أرى منه أن هذا هو الذي يملؤه بالفخر.  لقد كان تواقا إلى الفن في صورته العليا…وأنه لعجيب أن يكون لمثل سيد درويش بثقافته البسيطة صورة عليا للفن.. يراها بغريزة الفنان الأصيل تدفعه إلى البحث والغوص فيها وراء السهل والضحل من أشكال الفن.. ربما كان الأمر كذلك.. فسيد درويش لم يكن بالفنان الذي يكتفي بالإلهام.. ويقعد عن التحصيل.

لقد رأيت سيد درويش بعيني يأتي معنا إلى تياترو الكورسال ليشاهد جوقة الأوبرا الإيطالية تعرض "توسكا" ومدام بترفلاي ليوتشيني والبلياتشو لليون كافللو.. ما من شك عندي في أن سيد درويش كان يرى من أسرار هذا الفن الأوروبي أكثر مما كنا نرى.. وكان ينتفع ويتمثل ويهضم أضعاف ماكان يتهيأ لمثل بنيتنا الفنية العادية.. فقال للمرحوم محمود مراد عندما قدم إليه رواية الباروكة ممصرة عن الرواية الفرنسية (لاماسكوت) إنه لا يريدها في صورة مصرية.. ولا شرقية.. ولكنه يريدها على أصلها بجوها الافرنجي وأشخاصها الأوروبية.. لأنه مقدم على محاولة جريئة لن يحيد عنها.. إنه يريد أن يفرض موسيقاه بطابعها الخاص على ذلك الجو الفني الأجنبي. وتم له ما أراد. وأخرج هذه الرواية بفرقته الخاصة التي كان أنشأها أخيرا واستأجر لها مسرح دار التمثيل العربي الذي كان مجاورا لشارع "وجه البركة".

ولا أنسى أبدا تلك الليلة التي ظهرت فيها الباروكة لأول مرة.. كانت ليلة انهمر فيها المطر ورعدت السماء وامتلأت شوارع القاهرة بالوحل والماء.. ولكننا نحن أنصار سيد درويش ومحبيه واخوانه.. ما كنا نشعر قط بما فعلته الطبيعة من حولنا..إننا نعرف أن الطبيعة عدو الفنان ، لأنها تغار منه… وتعده منافسا لها في الإبداع ولو أن السماء انطبقت على الأرض في تلك الليلة لما فطنا إلى ما يجري.. فحبنا للفن كان أقوى من الطبيعة ذاتها.. ورفع الستار عن البروكة أمام عدد من النظارة لا يزيد عن الأربعين أو الخمسين بما فيهم الأنصار والأصدقاء.. وجرت الألحان تصور مختلف المناظر والمواقف والعواطف.. من نشيد الجنود الظافرة مثل لحن "املا الكاسات" إلى قوله " الاحتفال بالانتصار" الخ إلى وصف الريف بدجاجه وخرافه التي تصيح ماء ماء في لحن " أحب خرفاني السمان" وغيرها من الألحان التي لا تسعفني الذاكرة الساعة بحصرها.. خرجنا من تلك الرواية في شبه ذهول.. وكان الليل قد انتصف.. ولكننا لم نذهب إلى بيوتنا أو نأوى إلى فراشنا فذاك عهد ولى.. ما كنا نعرف فيه المضاجع قبل الفجر.

جلسنا في قهوة أو على الأصح خمارة مجاورة لدار التمثيل العربي.. وما لبث سيد درويش أن أقبل علينا مع الصديق المرحوم عمر وصفي.. وقد نفض عنه ثياب التمثيل.. وهو يقول "مارأيكم"؟ لم يخطر في بال الفنان أن يسألنا عن رأينا في كساد الحفلة وخواء الصالة.و لاخطر في بالنا أن يسألنا في ذلك.. فقد كنا ندرك أن الرأي المطلوب هو أجل من ذلك عنده وأسمى.. لا لأنه كان يريد الإفلاس أو يكره المال.. بل لإن فرحة الفنان بفنه تبهره أكثر مما يبهره المال.. وأن النشوة التي تبعثها خمرة الفن تذهب دائما بلب الفنان في أول الأمر…فتذهله عن كل شيء.. أدركنا ما يريد فقلنا لست اذكر والله ماقلنا.. ولكن الذي لا شك قد حدث هو أنه قرأ في وجوهنا الجواب.. إنه قد انتصر..

 إنني لا أعتقد أن سيد درويش كان يتعمد التجديد قهرا أو افتعالا ولم أسمعه يتحدث في ذلك.. كما يتحدث أصحاب النظريات أو قادة النهضات.. ولكن  التجديد عنده فيما أرى كان شيئا متصلا بفنه ممزوجا به… لا حيلة له فيه.. شيئا يتدفق من ذات نفسه …كما يتدفق السيل الهابط من القمم.. كانت الألحان تنفجر منه كأنها تنفجر من ينبوع خفي… حتى عنه هو… لقد سمعته وسمعه بعض أصدقائنا يقول ذات يوم:

"أستطيع أن ألحن كل شئ… أستطيع أن ألحن الجرائد اليومية"

نعم لقد أحس أن لا شئ يقف أمام نبع ألحانه المتفجر.. لا النظم ولا الأوزان.. أي كلام عادي يستطيع أن يصب فيه لحنا يحييه.. كما يصب ماء الحياة في العود اليابس..

 مقال آخر لتوفيق الحكيم