فيكتور سحاب

 سيد درويش.. التاريخ لا الأسطورة

من كتاب "السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة 1987

الشيخ سيد كان عربيا متحمسا (بصارة براجة، وياأباة الضيم، وغيرهما)..وكان وطنيا مصريا مؤمنا (بلادي بلادي..، قوم يامصري، مصرنا وطننا، وغيرهم كثير)..وكان إلهامه شعبيا خالصا في حبه للفقراء والطوائف الشعبية وانتمائه إليهم..ولذا كانت الأسباب التي تحدو فؤاد الأول وبلاطه على مناهضة الشيخ سيد وفنه، كثيرة..فلما ظهرت مسرحية "العشرة الطيبة" التي تروي انتصار حب الفلاحين على عبث السلاطين الأتراك الحاكمين، كان المصريون قد اكتشفوا 1919 أن بريطانيا استعبدت مصر وغصبت استقلالها..فكان التهكم بالأتراك أمرا غير مقبول لدى نفر من الوطنيين.، وإن كان الوطنيون يغالبون زمرة الحكم ذات الأصول التركية، التي كانت تحكم بقوة الإسناد الاستعماري. .. إلا أن "العشرة الطيبة" أمكنت لجماعة الملك أن تفض الإجماع من حوله فاستغلت نوازعه الموسيقية إلى التجديد باستخدام أدوات وطرائق غريبة، لتحكم  الحصار من حوله ومن فنه. فحظر مصطفى بك رضا مدير معهد فؤاد الأول للموسيقى (معهد الموسيقى العربية في القاهرة، فيما بعد) وصفر على مساعده، وهما من نسل عائلات تركية، تداول موسيقاه وتعليمها..

ولم يكن الملك فؤاد ممن يحزنهم قرار حظر فن درويش، فالشيخ سيد هو الذي آوى محمود بيرم التونسي  سرا في بيته سنتين، لما عاد بيرم من المنفى سرا، سنة 1921، بعدما نفي إثر وضعه قصيدته الزجلية التي قالت في فؤاد الأول:

  ولما عدمنا في مصر الملوك         جابوك الانجليز يافؤاد قعدوك

  تمثل على العرش دور الملوك     وفين يلقوا مجرم زيك ودون

   ماشفنا الا عرشك ياتيس التيوس لا مصر استقلت ولا يحزنون

 ولم تكن أسباب حنق الملك على سيد درويش خافية.. فمنعت معاودة طبع اسطوانات الشيخ سيد التي كانت تنفذ. حتى خبر موته لم يظهر إلا في جريدة "السياسة" بعد يومين، ثم في المقطم في 21 سبتمبر بعدما مرت على وفاته ستة أيام كاملة. 

وقد أقيمت حفلات تأبين كثيرة بعدئذ، على الخصوص في شهر أكتوبر 1923، لكن فن سيد درويش سرعان ما أحاط به النسيان.. ولم يكن نسيانه من فعل مر الأيام وحدها.

لم يرفع الحصار عن فن الشيخ سيد تماما، إلا بعد ثورة 1952، التي أكرمته وأحيت تراثه ونظمت تدوين موسيقاه وأداءها في فرقة الموسيقى العربية على الخصوص. ويروي محمد عبد الوهاب " أنجب تلاميذ الشيخ سيد، في قصة حياته التي سجلها لإذاعة القاهرة، أنه أسمع مصطفى رضا ذات يوم أغنية "طلعت يامحلا نورها" فأحبها رضا كثيرا، وسأله عن صاحبها، وانقلب استحسان رضا إلى استهجان حالما عرف أنها للشيخ سيد".

إلى أعلى الصفحة  

ومحمد عبد الوهاب، لأمراء، أعظم المتأثرين بفن الشيخ سيد، وهو يروي أول سماعه لغنائه في مسرح "برنتانيا" إذ يقول: هربت لما سمعت سيد درويش.. أردت أن اهرب من جلدي..اكتشفت أن الفنان الذي فيه بذرة التطور يمكن أن يخلق من القديم جديد.. لكن عبد الوهاب لم يسنح له أن يعمل مع سيد درويش إلا في التاسعة عشرة من عمره، سنة 1921، حيث قام عبد الوهاب بدور زعبلة بدلا من الشيخ سيد عندما وعك به المرض.. ولما مات الشيخ سيد أكمل عبد الوهاب اوبرا كليوباترا ومارك انطوان، وكان لا يزال متأثرا تأثرا كاملا ومباشرا بأستاذه… لم  يطور بعد منحاه الخاص تماما.

وهو يصور مكانة الحان سيد درويش في ميزان التراث والحداثة. أي التقليد والتجديد في الموسيقى العربية.. بقوله في لهجة مصرية دارجة:" ألحانه صحيح جديدة، لكنها عشرية، لها أب ولها أم" ويضيف قوله:" الذاكرة  نعمة طبعا، لكنها تتحول إلى نقمة، إذا أراد المرء أن يهرب منها".

وعبد الوهاب..الذي يستوعب في ذاكرته الموسيقية حصيلة قرنين من عمر الموسيقى العربية..لم يستطع أن يهرب من موسيقى الشيخ سيد..فظهرت جمل كثيرة من موسيقاه في قماشته اللحنية.. على الخصوص في السنوات الأولي من عمره الفني الطويل..ممثل على ذلك ببعض الأمثلة التالية:

-   محاورة عبد الوهاب مع ليلى مراد "طال انتظاري لوحدي" تذكرك جملة "تعالي بين أحضاني" بجملة "شفتي بتاكلني أنا في عرضك" ، في محاورة " على قد الليل مايطول بين سيد دوريش وحياة صبري في أوبريت العشرة الطيبة".

-    اللازمة في المقطع الأخير من أغنية "يادي يالنعيم" وهي اللازمة التي تختم بها الأغنية، مستمدة ومطولة من لحن "مين زينا احنا العربجية"

-        لحن استهلال أغنية " حب الوطن فرض علي" هو لحن الاستهلال في أغنية الجهادية "يأمي ليه تبكي علي"

-   أغنية البرتقال حيث يقول عبد الوهاب "ياما سهرتم على آمالكم" اشبه بلحن "يامابتقاسوا وياما" في أغنية والله تستاهل ياقلبي

-   أغنية "الليل يطول علي" الرائعة لمحمد عبد الوهاب، فيها لازمة النقرات الأربع، مأخوذة من لازمة مماثلة في أغنية "مصطفاكي بزباداكي" وفيها أيضا تلك الجمل ذات اللحن الصاعد.. المستوحاة أيضا من مثيلاتها في الأغنية المذكورة.

-   في أغنية "يادي النعيم" جملة " الجو راق وارتاح البال" شبيهه بلحن " غيرشى اللى كان هالك ابداننا" ، في أغنية العمال "ماقلتلكش ان الكترة"

-    في أنشودة "والله عرفنا نحب" لحن المقطع " الحرية كفاح ومبادئ" والمقاطع الأخرى اشبه بمطلع لحن الشيطان: "كان  الشيطان بيعزم يوم" على أنه لابد من المسارعة  إلى القول أن عبد الوهاب تأثر بألحان الشيخ سيد التأثر الخلاق.. لا تأثر النقل والانتحال..فأغنية "الليل يطول علي" التعبيرية الرائعة كائن موسيقى مستقل، يعبر عن أجواء الليل وسكونه ورهبته، على الرغم من الجمل المستدة من "مصطفاكي بزباداكي" التي تؤدى مهمة تعبيرية مختلفة توحي الكثير من الأجواء التركية.. في أغنية الشيخ سيد* وهذا المثال نموذجي في الدلالة على التأثر الخلاق" الذي يهضم فيه المؤلف الموسيقي "الخلايا" الموسيقية التي يرثها من السلف.. فتعود هذه الخلايا إلى الظهور.. على نحو واع أو غير واع.. في نسيج آخر.. وبذا يتمثل تراثه.. وينشأ في تربته لينبت فرعا جديدا على الجذع الأصلي

وعبد الوهاب لم يتأثر بالشيخ سيد في الموسيقى فقط، بل في الغناء أيضا، ولم ينكر عبد الوهاب هذا الأمر.. إلا في المرحلة التي كان يخشى فيها أن يدفع ثمنا لعرفانه بالجميل.. ذلك أن الانتساب علنا إلى مدرسة الشيخ سيد، كان ينقم الملك فؤاد الأول.. الذي مات 1936 ..ولم يسارع ابنه الملك فاروق إلى إصلاح الحال من بعده بالطبع، مع أنه سمح لمحمود بيرم التونسي بالعودة مستغفرا إلى مصر من المنفى 1938.

غير أن مرحلة طويلة مرت على الشيخ سيد وهو في عتمة الحظر، ولذا جرى على الألسن كلام كثير في مدحه وتعظيم شأنه..ولم يجر في الآذان الشئ الكثير من غنائه وألحانه..حتى أخذت فرق الغناء العربي الجماعي تحي تراثه على نحو منهجي. غير أن عبد الوهاب لم ينج من التجريح الشديد.. للزومه الصمت وحصده الأمجاد.. في المرحلة التي كان فيها رفاق الشيخ سيد ومحبوه، مبعدين مضطهدين. ولاشك في أن  بيرم التونسي يقصده هو، في زجله: "يوم مخلد للأبد" حين يقول

  الجاحد اللي يجحدك     مغرور إذا كان يحسدك

       ليه بس لما يقلدك        يقول انا رب الغنا

إلا أن عبد الوهاب " الذي يخشى القتال بطبعه، لم يجحد سيد درويش فضله.
إلى أعلى الصفحة