زكي طليمات

 سيد درويش الموسيقار الذي أطرب الناس

 كان ذلك منذ 1917. كنت أمر أمام "مسرح برنتانيا" الذي تقوم مكانه اليوم دار سينما "كايروبالاس".  سلامة حجازي يمثل ويغني رواية "مغاور الجن" ويقدم في فترات الاستراحة  المطرب السكندري الشيخ سيد درويش.   وقفت أطالع هذا في لوحة الإعلان صباحاً، وتملكني فضول طارئ دفع بيدي تهرش جيبي.. ولكنني لم أجد شيئاً.

 كنا ثلاثه نعمل هواة في جمعيات التمثيل.. وكنا طلاباً نستقبل العام الأول من دراستنا العالية .. وكنا نمارس رياضة كرة القدم والملاكمة.. وإنا معجبون.. ولكن..ولكن نزعة "التغيير" التي كانت تركبنا لم تكن تقنع بهذا.. فكنا نلبس أحياناً الزي البلدي لنسير في الطرقات متنكرين.. نقول ونفعل ما نشاء مقلدين أولاد البلد والفتوات.  واجتمعت بالزميلين وأقنعتهما بما اعتزمت أمره.. فتبادلنا الضحكات واللكم في الأكتاف.

  وفي مساء اليوم نفسه.. كنا نقتعد "دكة" في أعلا التياترو.. بعد أن ارتدينا الزي البلدي.. وأعلا التياترو بجمهوره يعتبر "الترمومتر" الذي يسجل قيمة ما يجرى فوق المسرح. لأنه جمهور متواضع.. يعبر تعبيراً مباشراً عما يحسه.

    شيخ.... وشيخ!

واستقبلنا  سلامة حجازي عند ظهوره على المسرح بالنشيد المألوف.. التصفيق والصفير والدق على الجدران.. ثم هتاف "يحيا الشيخ".. جاءت فترة الاستراحة.. ورفع الستار من جديد.. وتقدم سلامة حجازي بين الهتاف والتصفيق يقدم ضيفه وابن بلدته.. الشيخ سيد درويش.

 وعزف التخت.. وقد توسطه سيد درويش.. ثم ارتفع صوته بالغناء.. ليالي.. وموال.. ودور مما ينشد في الأفراح والليالي الملاح.. ولم يهتز الجمهور ولا أنا فأخذت أتفحص الشيخ الجديد.. الذي يجرؤ أن ينشد دوراً كله شكاية من الحب.. بعد أن غنى "الشيخ الكبير" الحب وغير الحب منذ لحظة ‍!

 وإذ أخذ المغني يعيد في مطلع الدور الذي يغنيه.."ضيعت مستقبل حياتي" .. أخذ الجمهور يزوم.. وسرعان ما ارتفعت الأصوات. وإحنا مالنا ضيعت مستقبل حياتك؟  ويبقى الحق عليك ‍‍‍! ده الحب قطع نفسه.. واختلطت هذه الأصوات: اسكت.. واختشى.. وبس .. وذلك من جمهور الصالة وانتهت المعركة بأن أخذنا ندق على جدران شرفة أعلا التياترو صائحين: عايزين الشيخ.. يحي سلامة حجازي.

 واسدل الستار

استقبال غير كريم لضيف كريم !

نحن عبيد العادة

إلى أعلى الصفحة  

لم استطع إذ ذاك أن أميز لماذا لم يعجبني غناء سيد إلا أن صوت سلامة حجازي يفوقه قوة ورخامة ونفاذاً. ثم يفوقه قدرة في امتلاك مشاعر المستمع: ولكن صوت سيد ليس قبيحاً .. ولا ينحرف .. ولا ; ينشز ! وأخذت بأسباب التأمل فاتضح لي أن السبب الأول في فشل سيد بحفلة الأمس إنما يرجع إلى أنه أنشد ألواناً  من الأغاني تخالف ما اعتاد الجمهور سماعه في المسرح وأنه أنشده بثيابه العادية.. وعهد الجمهور بالمغني في المسرحية أن يراه ساطعاً في ثياب التمثيل وفي سحر الأضواء.. وللعادة سلطان قوي يدفع الناس إلى انتقاص ما لم يألفوه.

 وقلت أنه ما كان يحمل سلامة حجازي. وهو عميد المسرح الغنائي ..وفارسه الأول الذي لا يجارى.. أن يقدم ضيفه.. وابن بلدته كما قال - في حفلة يسبقه فيها بإرسال صوته الصداح.

 ومن عجائب القدر أن سلامة حجازي توفي بعد ذلك بأيام.. فودعت مصر إماماً وصاحب مدرسة في الغناء والتلحين.. لتستقبل "شيخاً" في مقتبل العمر.. يريد أن يغني.
إلى أعلى الصفحة  

جورج أبيض

 ودار الزمن دورتين أو ثلاثاً.. وجرفتني هواية المسرح.. ولعل الأمر له ارتباط بثورة 1919... فاحترفت التمثيل تاركاً دراستي العالية في عامها الأخير.. والتحقت بفرقة جورج أبيض لأقوم بتمثيل أدوار الفتى الأول.

  وجمعنا الأستاذ جورج أبيض ليعلن أنه اعتزم أن يغني .. وأن يضحك الجمهور.. مثلما يفعل نجيب الريحاني  ولافيش حد أحسن من حد وبلعت ريقي مرتين.. حينما دخلت مكتب جورج أبيض . بناء على طلبه .. فوجدتني وجهاً لوجه أمام سيد درويش!. .نه بعينه في بسطة جسمه..وملاحة وجهه.. وسمرة بشرته.. ولكنه استبدل زي الفقهاء بالزي الإفرنجي ..ورسم جورج أبيض مهمتي مع سيد.. أن أدرس معه الرواية التي سيجري تلحين تلحين ازجالها. وختم كلامه بأن "نشد حيلنا" لأنه يريد أن يفاجئ الجمهور.. ويغني!

 وشد كل منا - أنا وسيد - حيله.. ولكن في أن يخفي عجبه .. والتقت نظراتنا.. وكان هذا التوافق في الإنفعال بداية زماله ثم صداقة

علمت من سيد

   كان بينشد كل لحن يتمه.. ثم يسألني أن أبدي رأي فيه من ناحية تعبير النغمات عن معاني الكلام.. إذا قلت له أحسنت .. لم يرضه جوابي.. وإذا خانني وجهي أبدى حيرة وقلقاً - ولا أقول سخطاً - اتهمني بأنني من أصحاب الآذان الطويلة.   وهكذا أعداني قلقه وتعكر مزاجه.. فصرت بدوري أعيش واقفاً على أطرافي ولكنني تعلمت.  تعلمت أن هذا القلق الروحي.. وما ينتجه من عدم رضا الفنان عما يقدمه.. إنما هو سر نجاحه وتفوقه.. وبغيره تجمد المواهب إذ تنصرف عن محاولة السير بما هو حسن إلى ما هو أحسن.

  وتعلمت أن التلحين ليس مجرد تحويل كلام إلى أنغام فحسب..

 وعلمني سيد أن اللحن الجماعي الذي تنشده جماعة .. أفعل في نفس الجمهور من اللحن الفردي.. ولم استغرب هذا .. ففي نشأته ما يبعث على هذا. ثم في تأثره العميق بثورة 1919 إنما هي أصوات متكاتفة وصيحات اتحدت فتصدعت أمامها صخرة الاستعمار .. وقد رأى سيد بعينيه.. وفي ظل المناورات الحزبية والسياسية.. كيف أن هذه الأصوات كانت لا تحدث شيئاً .. بل هي تتحول إلى صراخ أجوف.. إذاً  تفرقت وتنابزت .. ولكن هل كان سيد يعمل بهذا الإيمان في ألحانه.. ويعلي شأن اللحن الجماعي على اللحن الفردي.. لو كان له الصوت الصداح الذي يبهر وينسي المستمع وقاره.. صوت سلامة حجازي مثلاً.
إلى أعلى الصفحة  

هذه الآلة العجيب

 عجيب أمر هذه الآلة التي تولد الصوت البشري.. الحنجرة.. ممثل قادر أو خطيب باهر.. اكتملت في صوته كل صفات القوة والحلاوة وتعدد النبرات بحيث يأسر سمعك إذا تكلم.. ولكنه إذا رفع صوته ليغني ويطرب.. فلا تملك إلا أن تستغيث بالمطافئ ‍ويظهر أن أستاذنا جورج أبيض ممن تنطبق عليهم هذه الحال. وخرجت الرواية على الجمهور .. فلم تهزه في شئ.. ولكنه اهتز هزاً عنيفاً أمام ألحان سيد .. إنها من طراز يجذب.. إن التعبير فيها ظريف    الألوان النفسية  لمعاني الكلام توضع أولاً في نقط صغيرة، تبعاً لتوارد المعاني واحد فواحد.. ثم يشد هذه النقط بعضها إلى بعضها إلى بعضها الآخر، الإيقاع الرئيسي الذي اختاره الملحن.. وقد استوحاه ببصيرته من معاني الكلام.. فهذه النقاط تتجمع وتتداخل وإذا اللحن يعبر أبلغ تعبير.  ارتسمت في الأفق أول نقطة للتحول في الموسيقى المصرية.. من حيث الثورة على موسيقى القوالب.

إلى أعلى الصفحة  

نجيب الريحاني يحاول

    وسرعان ما جاءت الفرصة التي وجد فيها سيد أحسن مجالاته للتعبير عما يختلج في نفسه.    

  ألف "نجيب الريحاني" فرقة جديدة. تعمل إلى جانب فرقته الهزلية لتقدم الرواية "الأوبريت.

والرواية هي "العشرة الطيبة" التي اقتبسها المرحوم محمد تيمور عن الفرنسية ووضع أزجالها بديع خيري وتولى إخراجها المرحوم عزيز عيد كان ذلك في أواخر 1920. اخضع "سيد" ضروب ; ضروب الموسيقا العربية وألحانها لإحساسه وإلهامه فكان هذا المزاج "العبقري" بين الألحان العربية والأوربية .. وكانت محاولة لابتداع الهارموني في موسيقاناوموطن التأثير في موسيقاه أنه ينفعل انفعالا كاملاً بمعاني الكلام الذي يلحنه أنه في ألحانه الشاعر.

قدم سيد للجمهور الغذاء الذي ينشده فأقبلوا عليه إقبال الجياع على الخبز.. وهتفوا له.

  وسألت سيد بعد هبوط الستار.. وقد أخذ الجمهور المتحمس يهتف هتافات عدائية ضد الإنجليز.. سألته عما يحسه بعد النجاح .. فأجاب:-كأني قتلت الف انجليزي يازكي. 

إلى أعلى الصفحة