سيد الإنسان

حكاية عن سيد درويش

عندما عزى سيد درويش صديقه بديع

كدت أسلم بقلم صديقه " نقولا الملا"

وطنية سيد درويش

 

حكاية عن سيد درويش

كان المرحوم أحمد حسن الناقد الفني طالبا بمدرسة المعلمين العليا حين استمع إلى سيد درويش، وتعرف به وأحبه حبا جعله ينقطع عن الدراسة نهائيا ويصاحب الفنان الكبير ليلا ونهارا. وقد روى المرحوم أحمد حسن أن سيد درويش طرق بابه ذات ليلة وهو يحمل عوده وطلب إليه أن يصحبه، فهرول أحمد حسن إلى ملابسه لأنه فهم أنها ستكون سهرة  عبقرية وفي خلال الطريق علم منه الحكاية كلها.

فقد كان الشيخ سيد يركب عربة حنطور صباح ذلك اليوم مع حوذي لايعرفه وسمع الحوذي ينادي على زميل له في الاتجاه المقابل ويدعوه إلى سهرة في بيته الليلة بمناسبة سبوع طهارة ابنه فسخر منه زميله قائلا: يعني مسهر الشيخ سيد يا أخي؟!

وتضاحك الزميلان وانصرف كل إلى سبيله، واحتال سيد درويش على حوذيه حتى غرف عنوان بيته وقد انتوى أن يحي ليلة الطفل ابن العربجي فعلا.

ومن حارة إلى حارة ومن زقاق إلى زقاق في الحي الشعبي الذي كانت تسكنه طائفة العربجية، وصلا إلى بيت فقير عليه "تعاليق" متواضعة ، دخل الاثنان وقابلهما الحوذي الذي دهش لأن الأفندي الذي كان يركب عربته في الصباح قد جاء إليه في المساء وهو يحمل عودا وما أن علم الرجل أن هذا الأفندي ما هو إلا سيد درويش بلحمه ودمه حتى قفز من الفرح على أكتاف الشيخ سيد وهو يعانقه ويقبله، ثم تركه وراح يصيح في الحارة كالمجنون بأن سيد درويش سيحيي ليلة ابنه.

يقول أحمد حسن رحمه الله:

وما هي إلا لحظات حتى تدفق الناس من كل فج عميق أفواجا بعد أفواج وأصبح الحي كله كأنه في عيد. وجلس سيد درويش بين ثؤلاء الناس البسطاء يؤاكلهم ويشاربهم ويضاحكهم وظل يغني لهم ويحفظهم ألحانه حتى بعد مطلع الفجر. ووالله ماسمعت سيد يحلق إلى القمم التي حلق فيها تلك الليلة يمثل الإبداع الذي جعلها ليلة العمر في حياتي.

هذه صورة إنسانية حية، تفسر لنا جانبا من شخصية سيد درويش في أسلوب تعامله مع الناس، وتبين لنا كيف كان وفيا في معاشرتهم وفي ارتباطه معهم وبهم في تواضع ومودة لايشوبها أي تفرقة اجتماعية. كان سيد درويش يحب بلده وأولاد بلده، وكان يسعى دائما إلى اسعادهم وإلى ترضيتهم بألحانه التي عبر بها عن مشاعرهم وعبر فيها عما تكنه رغباتهم وآمالهم فأحبوها وغنوها.

 

عندما عزى سيد درويش صديقه بديع

  الأستوديو 10 مارس 1948

هذه واقعة يعرفها الأخصاء الذين أحبوا سيد درويش ونعموا بصداقته وصحبته منذ أكثر من ربع قرن.

فعنما مات والد بديع خيري، ووصل النبأ إلى سيد درويش، تأثر الموسيقار الخالد وأخذ يفكر في مصيبة صديقه وفي كيفية مواساته وتعزيته، وارتدى ملابسه في الحال، وذهب إلى أول محل للأزهار صادفه وأمر بصنع كرونه فخمة من الأزهار وحملها في (عربة حنطور) إلى أقرب كنيسة لدار بديع، ووقف ينتظر وصول الجنازة ومضى وقت طويل، وأفاق سيد درويش من ذهوله فإذا به يجد نفسه وحيدا على باب الكنيسة ولا أثر للمشيعين أو لأقرباء المرحوم.

فسال الحارس عن موعد وصول الجنازة فأجبه الرجل:

- جنازة ايه.. مفيش عندنا حاجة انهاردة؟!

وهرول سيد درويش والأزهار في يده إلى بيت بديع، فوجد الجمع محتشدا، فصاح في أول من قابله:

- جرى أيه، مارحتوش الكنيسة ليه؟!

وهنا ارتجف المسؤول وهمس في أذنه:

- كنيسة أيه دول ناس مسلمين، وموحدين بالله، ايه الورد اللي معاك ده؟؟

وصمت سيد، وعرف، عرف لأول مرة أن صديقه بديع ليس مسيحيا بل هو مسلم، وذلك بعد أن عاشره وزامله أكثر من خمس سنوات، لايكادان يفترقان لحظة

فلم يكن بديع خيري أمام سيد درويش غير فنان، ولم يكن لشخصه أو لحاله أو لدينه أي أثر في نفس سيد أو عقله.

وهذه هي روح الفنان الصادق، تبدو صافية لاتفرق بين إنسان وإنسان، أو بين عقيدة وعقيدة.
 

كدت أسلم بقلم صديقه " نقولا الملا"

  الإذاعة 21 سبتمبر 1957

ومن بين الحكايات الكثيرة لصديق سيد درويس "نقولا الملا" هذه الحكاية:

سرنا معا ذات ليلة أنا والدكتور علي حسن والمهندس أحمد عرفي والسيدان إبراهيم دسوقي وعبد المجيد حسين في حديثة بكوم الدكة بجوار خزان المياه، وأصر ليلتها على ألا يغني كما كان يصنع في معظم الليالي التي نجتمع فيها معه، وما لبث أن بدأ يرتل القرآن ترتيلا عجيبا معبرا لم أسمع مثله من قبل، ولاسمعت مايقاربه حتى اليوم، وظل يرتل القرآن مايقرب من عشر ساعات بلا توقف، ولو قلت أني كنت سأعتنق الدين الإسلامي ليلتها لما عبرت تماما عن الإعجاب الشديد الذي استولى علينا جميعا.

ولكنه كف عن قراءة القرآن، وكف عن الغناء والتلحين، وكفت الموسقى المصرية عن التعبير عن آمال الشعب وآماله إلا في القليل النادر.
 

وطنية سيد درويش

دنيا الفن - 2 2 ابريل 1947

في أثناء ثورة سنة 1919 نزل الجنود الاستراليون يعبثون فسادا في عاصمة البلاد ويسلبون المارة كل ماتصل إليه إيديهم.

وخرج الشيخ سيد درويش ومعه صديقه بديع خيري من دارهما بجزيرة بدران إلى عمل ما، فلما انتهيا إلى ميدان باب الحديد تذكرا أن في حافظة كل منهما قرابة العشرين جنيها عدا خاتم ماسي في أصبع الشيخ سيد وساعة ذهبية تحلي صدره، وفكر في أن الجنود الاستراليين سوف يسلبنونها ما يحملانه، فاقترح على بديع أن يودعا كل ما معهما من مال وحلي عند بائع للكباب كان يتجول على مركبة نقل صغيرة حتى إذا جاء الليل أوى إلى أسفل كوبري شبرا ينتظر من ينتابهم الجوع من عباد الله الذين جعلوا الليل معاشا والنهار لباسا.

وعارض بديع في الفكرة فاجابه سيد: إسمع يابديع ياخويا، الحاجة دي رايحة رايحة، فأحسن يأخذها واحد مصري ينتفع بها هو عياله أحسن مايلهفوها زبانية جهنم.

ووافق بديع وسلمت هذه الأشياء الثمينة إلى المعلم عفيفي الكفتجي.

وفي اليوم التالي والثالث والرابع بحث الصديقان عن المعلم وكأنه فص ملح وذاب، وراح بديع ينحى باللائمة على صديقه، إلا أنهما في الليلة الخامسة سمعا هاتفا يهتف بهما: ياسيدنا الافندي، إنت وهو.

والتفتا فإذا بالمعلم يجري خلفهما حاملا " الأمانة" وهو يقول:حرام عليكم ياأسيادنا بقى لي خمسة أيام أدور عليكم والعساكر طردوني من هنا ومش عارف أعتر عليكم فين، اتفضلوا ياأسيادنا الله يبارك لكم في حاجتكم.

وأراد الشيخ سيد أن يجزل الثواب للكفتجي، غير أنه رفض قائلا: كيف أمد يد إلى الشيخ سيد درويش وفضله لاينكر علينا وأغانيه الوطنية الصارخة تتناقلها أفواه الملايين من أبناء الشعب.