اللهجات المختلفة في ألحانه

 كانت مصر عامرة بالجاليات العربية والأجنبية، وامتلأت شوارعها وأسواقها التجارية باللهجات العربية المختلفة. وكانت مصر أيضا مسرحا للمعاملات التجارية بين هذه الطوائف المتنوعة لاسيما في مواسم الحج من كل عام، حين كانت مصر هي مركز تجمع الحجاج وسفر كل الطوائف المسلمة من السويس مع رحلة المحمل السنوية.

 وكما تعودنا من سيد درويش فإنه كان يعيش في جو اللحن مع أهله وأربابه حتى يتقمص شخصياتهم ويستوعب لهجاتهم ويستمد من الطبيعة التي عايشها صورة صادقة أصيلة لما يريد أن يكون عليه اللحن. ومن أجل هذا كان يستمع إلى هذه الطوائف المتنوعة في تحرر كبير، يستلهم تصوير اللحن من أحاديثهم، وإيقاع اللحن من حركاتهم ومخارج الفاظه من لهجاتهم، وطبع اللحن بالأسلوب الحركي الكاريكاتوري لطبائع هذه النوعيات المختلفة بعد دراسة فاحصة لخصائصهم وعاداتهم.

 وعندما أراد أن يضع لحن "البرابرة" في رواية "أش" كان يذهب في نفر من أصحابه  إلى "بوظة العلوة" في ميدان "باب الخلق" – حينذاك- فيجلسون حتى تدور روؤس الزبائن ويأخذون في التهييص والغناء، وهنا يلتقط سيد درويش النغم من مصادره فيكسو اللحن بالثوب الأصيل.

أما عندما أراد أن يلحن لحن "المغاربة" وهو عبارة عن مشاجرة يثور فيها المغربي ويشتم ، ذهب إلى حي الفحامين ونادى أحد الغلمان وأعطاه قروشا بعد أن وصاه بمعاكسة أحد المغاربة لكي يشتمه، فإذا ماشتمه المغربي تدفقت من فمه اللهجة الأصيلة والنغمة المطلوبة، وعرف منها الملحن المخلص لفنه كيف يكون الجو الذي فيه الأنغام والألفاظ كما يجب أن تبدو وتتفق.

ومن هنا كان الأسلوب الواعي لسيد درويش واستطاع به أن ينقل إلينا في الحانه لهجات مختلفة للطوائف التي كانت تملأ شوارع القاهرة ومن هذه الألحان:

لحن للأعجام      احنا افندم تجار الاعجام

لحن للمغاربة      الله يكتر فيكو الأوجاع

لحن للشوام         هلأ بتضلو معايا هون شوية

لحن للنوبيين        دنجي دنجياشنجر دام لينا هلي هالله

لحن للأتراك        ألحان في أغلب ألحان أوبريت العشرة الطيبة

ومن ألحانه التي برزت فيها موهبته حوار تضمن معركة حامية بين فلاح مصري وشامي ونوبي وتركي وخواجة ، وهو لحن "بوخمار الخنفشار"، وهو لحن كله متعة ورشاقة وخفة ظل في الأداء والتعبير الموسيقي.

 إن مقدرة سيد درويش أنه كان يعطي لكل جماعة اللهجة التي تناسبها والنغم الذي يصورها، ولو لم يفعل ذلك لما كان سيد درويش.