ميلاد محمد البحر

ولد محمد البحر في 1/1/1909 من زوجته الأولى بالإسكندرية، يوم سفر والده الشيخ سيد درويش في رحلته الأولى إلى بلاد الشام بصحبة فرقة أمين وسليم عطاالله – أي أن محمد البحر كاد أن يبلغ 15 عاما عند وفاة والده... ولما بلغ عمره خمس سنوات بدأ يستمع إلى ألحان والده فكان أول من يسمعها وهو يعزفها على العود… ومن هنا بدأت هوايته وعشقه للموسيقى والغناء.. حيث كان يردد في سذاجة الطفل مقاطع من ألحان والده.. وكان والده يستمع إليه بحب وإعجاب في البداية.. وكان من عظيم هبات الله أنه وهب محمد البحر ذاكرة وأذن موسيقية حساسة مكنته من حفظ الألحان التي كان يسمعها أثناء مصاحبته لوالده الشيخ سيد درويش … وكان الشيخ سيد يسمع ابنه الصغير محمد البحر الألحان قبل أن ينشرها ليأخذ رأيه فيها إيمانا منه بالأذن والذوق الفني الذي لاحظه على ابنه… إلا أنه عندما كان يسمع ابنه يغني ألحانه ولحبه لإبنه في ألا يتعرض لما تعرض له والده كان يمنعه من الغناء، وعندما بلغ العاشرة من عمره بدأ يمنعه من الغناء بشتى الطرق ولو أدى الأمر إلى ضربه إلا أن ذلك لم يمنع الابن من مداومة حفظ تلك الألحان حتى بعد وفاة والده.. من بعض من الذين اشتركوا في حفظ وأداء تلك الألحان…ونذكر منهم الشيخ محمود مرسي...واستطاع محمد البحر أن يحقق أمنية والده ويظفر بوظيفة في بلدية الإسكندرية، لكنه في نفس الوقت لم ينس عشقه وحبه للغناء الذي بدأ يمارسه بعد رحيل والده عام 1923.
 

   

 

 

 

القضية الأولى مع الإذاعة المصرية

حاول محمد البحر بعد وفاة والده في سبتمبر 1923 بكافة  الطرق والوسائل.. المحافظة على ألحان الشيخ سيد درويش ونشرها  كما وضعها سيد درويش: مما ترتب معه حدوث خلافات بينه وبين الإذاعة المصرية.. نتيجة لقيام الإذاعة عند تسجيلها لأوبريت "العشرة الطيبة" بتشويه بعض الألحان ومنها أول تآليف هارموني في الموسيقى العربية في لحن "عشان ما نعلا ونعلا ونعلا.. لازم نطاطي نطاطي نطاطي" وهو ما يطلق عليه لحن المنافقين..وقد حكم لصالح محمد البحر في تلك القضية.

 

   
 

تعليق المايسترو عبد الحليم نويرة

"من باب الإنصاف أقول أن محمد البحر رجل حسن النية……وأكثر من 80% من المشاكل القضائية التي أثارها كان على حق فيها.. لأن عددا كبيرا من الذين قدموا أعمال  والده سيد درويش أظهروها للناس بشكل ردئ...توجد مقاييس لتقديم أعمال موسيقار مثل سيد درويش.. مقاييس لايمكن التجاوز عنها شعرة واحدة.. إن محمد البحر لم يكن من هواة التقاضي أمام المحاكم كما أشيع عنه.. وإلا فلماذا لم يرفع قضية واحدة ضد فرقة الموسيقى العربية عندما قدمت عددا كبيرا من ألحان سيد درويش.
 

   
 

تعليق المؤرخ حسن إمام عمر

في غمار احتفالاتنا بمرور مائة عام على ميلاد الموسيقار خالد الذكر الشيخ سيد درويش لا ننسى نجله الفنان محمد البحر الذي كان حارسا قضائيا على تراث والده لمدة نصف قرن من الزمان.. حيث كان يقف بالمرصاد لكل من يحاول تشويه ألحانه أو يغير كلمة أو جملة لحنية فيها مما اضطره إلى الاتجاه إلى ساحة القضاء عشرات المرات للحفاظ على هذا التراث."

جريدة الوفد في 20/4/1992

 

   
 

قضية ستوديو مصر

وفي عام 1941 أراد ستوديو مصر أن يحول مسرحية "العشرة الطيبة" إلى فيلم سينمائي من إخراج فؤاد الجزايرلي.. الذي عاصر سيد درويش في أخريات أيامه وتعاقد مع محمد البحر ليقوم بدور الأمير سيف الدين الذي كان والده يؤديه أمام المطربة حياة صبري  بفرقته الخاصة التي قدمتها على مسرح دار التمثيل العربي عام 1922.. وحدث أن اعترضت الرقابة على بعض الألفاظ لمخالفتها للآداب العامة.. وطلبت تغييرها… فاشترط محمد البحر أن يكون التعبير مطابقا ومتناسقا مع التعبير اللحني الذي قصده سيد درويشولكنه وجد أن التعديلات التي تمت تخرج على نص الاتفاق وتشوه التعبير اللحني الذي عبر عنه سيد درويش.. وحاول محمد البحر عبثا إقناع الرقابة والمسؤولين في ستوديو مصر بوجهة نظره.. مما جعل الاستوديو يتوقف عن إنتاج الفيلم.. ولجأ محمد البحر إلى ساحة القضاء وحكم له بحقه الكامل في الأجر المنصوص عليه في العقد بالرغم من عدم تصوير الفيلم.

 
   
 

جهود محمد البحر في المحافظة على تراث والده

وكان صدور هذا الحكم بداية المعركة ضد محمد البحر الذي كان يصر على إخراج تراث والده بصورة دقيقة وفي مستوى يليق بهذا التراث الخالد… وكان محمد البحر يرحب كل الترحيب بكل فنان يريد أن يغني من ألحان والده.. كما حدث مع كل من عباس البليدي وكارم محمود   وإبراهيم حمودة.

ونظرا للصعوبات التي وجدها محمد البحر في سبيل المحافظة على ألحان سيد درويش ونشرها ،اضطر إلى رفع قضية للحراسة على التركة الفنية لسيد درويش .. واقتنعت المحكمة بأن محمد البحر هو الأحق والأكثر أمانة على تراث والده الشيخ سيد درويش وحكمت له بالحراسة على تركة سيد درويش الفنية.

أهاب محمد البحر في مناسبات متعددة بالجهات المختلفة القيام بتسجيل ألحان سيد درويش قبل أن يختفي حفاظ تلك الألحان بالوفاة أو بالنسيان إلا أنه للأسف الشديد وعلى الرغم من تشكيل لجان وتوصيات مؤتمرات لم يوضع ذلك موضع التنفيذ..وعلى الرغم من ذلك فإن محمد البحر لم يألوا جهدا في الحفاظ على ألحان والده ونشرها بكافة الطرق .. نذكر منها مايلي:

كان محمد البحر يقوم بتحفيظ ألحان سيد درويش إلى أهل كوم الدكة في مجموعات ويقوم بإحياء الحفلات بالمجان.. وكان البعض المتميز منهم يشترك ككورس في الحفلات الإذاعية بل واشترك في أوبريت "شهرزاد" عندما أخرجت بالإسكندرية في الستينات وأخرجها حسين جمعة وكان الديكور من إبداع فنان الإسكندرية سيف وانلي وقيادة المايسترو إبراهيم حجاج.

كان محمد البحر يقوم بالصرف من جيبه الخاص على بعض من حفلات الذكرى منها حفلة ذكرى مرور 25 عاما على وفاة الشيخ سيد درويش.. وكانت الدعوة باسم معهد الموسيقى بالإسكندرية..والتي أقيمت بمسرح محمد علي 1948 وقام المعهد فقط بالدعوة باسمه لهذه الحفلة تخليدا للمرحوم الفنان باعتباره من أبناء الإسكندرية.
 

   
 

وفاة وتكريم محمد البحر
 

وتوفي محمد البحر في  30 يوليو 1986 بعد أن أدى مهمته التي خلق من أجلها وهي الحفاظ على موسيقى والده الشيخ سيد درويش ونشرها وذلك بعد أن اطمأن أن نجله الصغير إيمان البحر  يسير في نفس الاتجاه وهو الحفاظ على تراث سيد درويش كما وضعه سيد درويشوقد قامت وزارة الثقافة ممثلة في الوزير أحمد هيكل ومحافظة الإسكندرية ممثلة في المحافظ بتكريم اسم محمد البحر وذلك في الاحتفال الذي أقيم بمسرح سيد درويش بالإسكندرية بعد وفاة محمد البحر بأقل من شهرين.

 

رحم الله محمد البحر الابن الأكبر لسيد درويش وأثابه على جهوده مدى عمره منذ وفاة سيد درويش في 15 سبتمبر 1923 وحتى وفاته في عام 1986 ، في جمع وحفظ ونشر تراث سيد درويش كما وضعه سيد درويش.